أمجاد العرب
صحيفة الكترونية يومية amgadalarab.48@gmail.com
ألصفحة الرئيسة
أخبار .. بيانات
عناوين اخبارية
ملفات اخبارية
مختارات صحفية
كورونا حول العالم
بيانات و تصريحات
تحت المجهر
كواليس واسرار
كورونا
مقالات وتحليلات
مواضيع مميزة
مقالات وافكار
تقارير دراسات
ادب وثقافة
منوعات
الأسرى
كلمة الأمجاد
راسلنا
من نحن
 
كلمة الأمجاد
هل ينجح نتنياهو بتشكيل حكومة جديدة ..؟! بقلم: شاكر فريد حسن
 
المتواجدون حالياً
 
المتواجدون حالياً :
 
 58
 
عدد الزيارات : 46829808
 
عدد الزيارات اليوم : 21827
 
أكثر عدد زيارات كان : 76998
 
في تاريخ : 2014-04-20
 
 
مقالات
 
مواضيع مميزة
جنرال بالاحتلال: ثلاثة أوْ أربعة صواريخ دقيقة كافيّة لشلّ إسرائيل والجبهة الداخليّة الإسرائيليّة ستكون الساحة الرئيسيّة في الحرب المقبلة

تقرير اممي يحذّر: إسرائيل توسّع النشاط في مفاعل ديمونا والذي يتضمن أسلحة نوويّة

هل جرت مُقابلة رغد صدام حسين على الأراضي الأردنيّة وهل يُمكن أن يعود نظام الرئيس العِراقي الراحل للحُكم؟.. قصّة انشقاق ومقتل حسين كامل بلسان زوجته

“واشنطن بوست” تفجر المفاجأة: الرئيس الأمريكي قرر رسميًا رفع السرية عن تقرير مقتل خاشقجي وسيكشف دور بن سلمان

السيد نصر الله: ستواجه الجبهة الداخلية الإسرائيلية في الحرب المقبلة ما لم تعرفه منذ قيام “إسرائيل” وفكرة التدويل بشأن الحكومة اللبنانية دعوة للحرب..

تفكيك “لغز زيارة حسين الشيخ”: فدوى البرغوثي تحدّثت عن “شبه تهديد” و”الأخ أبو القسام” تلقّى عرضًا ورفضه قبل اقتراح “خطّة تقاسم” لأعلى ثلاثة مناصب

تل أبيب: “إطلاق آلاف الصواريخ الدقيقة يوميًا سيمنع المنظومة الدفاعيّة الإسرائيليّة من توفير حمايةٍ مُحكمةٍ لأجوائها والخطر سيزداد إنْ أتت صواريخ كروز من العراق أو اليمن”

الشيخ يكشف تفاصيل لقائه بالبرغوثي في سجون الاحتلال وتقارير إسرائيلية تتحدث عن تقديم الرئيس عباس “عرضا مغريًا” للتنازل عن ترشحه لانتخابات الرئاسة الفلسطينية

إعلام إسرائيلي: الهدف من التطبيع بناء حلف إقليمي لمواجهة إيران وكبح تركيا وقطر

مصدر إسرائيلي: بن سلمان ولي العهد الأكثر دعماً لـ”إسرائيل” في النظام السعودي ولو كان الأمر مرتبطاً به لكان حصل التطبيع

اتهّم نتنياهو بالمسؤولية.. رئيس الموساد الأسبق يُحذّر من اغتيالٍ سياسيٍّ تعقبه حربًا أهليّةً خطيرةً ويؤكِّد: الحاخامات يُحرِّضون المؤمنين ويُصدِرون فتاوى تُجيز القتل

الامين العام للامم المتحدة غوتيريش يحذر: كورونا خارج السيطرة.. والعالم يحترق!

نتنياهو يُؤكّد بأنّ دولاً في المِنطقة ستحذو حذو الإمارات وتُوقّع اتفاقيّات تطبيع مع إسرائيل قريبًا.. ويُوافق على حلٍّ وسط يُرجِئ المُوازنة ويَحول دون إجراء انتخابات جديدة

 
مواقع صديقة
نبض الوعي العربي
سورية العربية
الصفصاف
مدارات عربية
 آخر الأخبار |
   اليوم | الجماهير الفلسطينية في البلاد تحيي ذكرى النكبة والاسرائيليون يحتفلون بالإستقلال      "أنصار الله": هاجمنا أرامكو ومنصات الباتريوت وأهدافا حساسة في مدينة جازان السعودية      واشنطن وطهران.. مقاربات نووية وحلول قد ترى النور الدكتور حسن مرهج      73 عامًأ.. وما زالت النكبة مستمرّة.. الانتقال من الأسرلة إلى الصهينة! هل القيادة تقود أمْ مجرورة من قبل الرأي العام في مناطق الـ48؟ ولماذا لا يوجد طيار درزي واحد في سلاح الجو الاسرائيلي؟ زهير أندراوس      المواقف الأمريكية من دعم السلام وحقوق الشعب الفلسطيني بقلم : سري القدوة      عبد الرحيم جاموس //ثلاثة وثلاثون عاما على الرحيل ..!      رؤية سياسية للواقع العربي في اسرائيل: افلاس الأحزاب يفرض البدء بتنظيم مجتمع مدني !! نبيل عودة      ضابط إسرائيلي يكشف مجريات المفاوضات مع حماس، بشأن عقد صفقة تبادل أسرى جديدة      مدير "سي إن إن": أنتجنا دعايات مضللة للإطاحة بترامب في الانتخابات      القدوة:سألتقي حماس والجهاد.. ومروان البرغوثي سيترشح للرئاسة الفلسطينية      "مزيف ومفبرك"... سوريا تندد بتقرير منظمة حظر الأسلحة الكيميائية حول سراقب      بايدن يعلن انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان ومدير المخابرات يحذر من “خطر كبير”.. والبرلمان الأفغاني يحذر من حرب أهلية طاحنة      روحاني يكشف عن رد إيران على “جريمة نظنز”: رفع تخصيب اليورانيوم حتى 60% وتركيب أجهزة طرد من الجيل السادس.. إسرائيل وصلها الرد الأولي       هل ينجح نتنياهو بتشكيل حكومة جديدة ..؟! بقلم: شاكر فريد حسن       هل ينجح نتنياهو بتشكيل حكومة جديدة ..؟! بقلم: شاكر فريد حسن      عروشُ المهازل عبد الله ضراب الجزائري      دار الشروق تصدر أول أعمال الأسير أيمن الشرباتي      نمر سعدي وشعريَّة المجاز الطائر محمد علي شمس الدين      المدينة المقدسة تواجه صراع وجود ومصير وتخوض اشتباكات يومية متنقلة من حي لحي ومن زقاق لزقاق...! // *نواف الزرو      مسؤول إسرائيلي لـ"نيويورك تايمز": لا ننوي الرد على مهاجمة إيران للسفينة      مشروع قانون لسحب الجنسية الإسرائيلية ممن أدين بـ"الإرهاب"      تفاصيل جديدة... سر زيارة الوفد السعودي العاجلة بعد أزمة ملك الأردن وأخيه      استهداف سفينة إسرائيلية بالقرب من إمارة الفجيرة.. ومسؤولون اسرائيليون يتهمون إيران ووكالة ايرانية تؤكد الخبر      روحاني يحذر من "أمر خطير" في منطقة الخليج بعد تخريب منشأة نووية      عبد الباري عطوان //ماذا يعني الانتِقام الإيراني السّريع بقصف سفينة إسرائيليّة قُبالة الفجيرة في بحر عُمان؟      أزمة تشكيل الحكومة: نتنياهو يصعّد ضد إيران واليمين يطالبه بالتنحي      جائحة كورونا| ما هي التسهيلات الجديدة المرتقبة وما هي القيود المستمرة معنا؟ إليكم التفاصيل      رئيس الموساد والسفير الأسبق إفراييم هاليفي يتهّم نتنياهو باستغلال عمليات الجهاز ضدّ إيران لتحقيق مآربه الشخصيّة والسياسيّة      مقتل شخص وإصابة شرطي في واقعة إطلاق نار بمدرسة ثانوية في ولاية تنيسي       إبراهيم أمين مؤمن// الاتجاه المعاكس «من رواية قنابل الثقوب السوداء»     
مقالات وتحليلات 
 

الكورونا والتغيير الإجتماعي بقلم: داني فيلك-- نرجمة سميح غنادري

2021-02-26
 

الكورونا والتغيير الإجتماعي

بقلم: داني فيلك

وباء الكورونا صدمَ وزعزع العالَم. سبّبت العدوى موت مئات الآلاف ومرض الملايين، ومسّت بإقتصاد دول عديدة. وأصابت بشكل جدي وذات تأثير المجتمع الإسرائيلي أيضًا، هي كشفت ضعف السلطة والمشاكل الصعبة التي انتجتها السياسة النيو – ليبرالية على مدى العديد من السنوات السابقة.

الوباء ضخّم الشقوق والصداعات الموجودة في المجتمع الإسرائيلي، وتعمّقت هذه الشقوق نتيجة للخط السياسي لنتنياهو. وكشف الجهاز الصحي الجماهيري المرهون بالسياسة الليبرالية والخصخصة والاتجار بالخدمات. وأظهرَ ضعف الأجهزة السياسية التي كان من المفروض أن تقدّم جوابًا على احتياجات المواطنات والمواطنين. لكن الوباء كشفَ وجسّد أيضًا أن الناس في إسرائيل أفضل بكثير من حكومتهم.

ظهرت ونمت على الأرض عشرات مبادرات التضامن. وجميعنا كان شاهدًا على إصرار وإخلاص عمل العاملين في الجهاز الصحي الذين بدونهم لم يكن باستطاعتنا مواجهة الوباء. وكشفَ الوباء أن العاملين الحيويين هنّ الممرضة والطبيبة والعاملة الإجتماعية والمعلمة، وليس- كما يقصون في القصقص- التاجر في البورصة والمدير المالي.

علّمنا الوباء أيضًا أن الصحة هي أمر مركّب وليس نتيجة فقط للعلاج المكثّف، وإنما هي تخص جهازًا يحتوي على كل الخدمات الصحية، وعلى الطب المانع وجهاز الرفاه والخدمات الإجتماعية والإقتصاد. لأن أزمة الكورونا لا تتعلق فقط بعدد المرضى أو عدد الوفيّات بسبب الوباء، وإنما تخص أيضًا التأثيرات الصحيّة الطويلة الأمد، والمؤثرات على الصحة النفسية وعلى النتائج الاقتصادية السيئة والصعبة. وباء كوفيد – 19 هو أزمة صحية ولّدت أزمة إقتصادية – إجتماعية.

تتطلب المواجهة لأزمات كهذه التصميم والهمّة والتضامن والتعهدات المتكافلة والمتبادلة معًا. وحتى يصبح بالإمكان الإنتصار على الأزمة الصحية من المطلوب توفير الجهد المشترك. هذا الجهد المشترك والعناية الشاملة أيضًا لا يتركان أي شخص في الخلف. وليس فقط بسبب إعتبارات أخلاقية واضحة، وإنما أيضًا لأن ترك أي شخص في الخلف قد يُصبح مصدرًا لانتشار العدوى الوبائية. وعلى الرغم من التناقضات والمفارقات نجحَ الجهاز الصحي الجماهيري بالعمل، في مواجهته لموجة الكورونا الأولى بشكل جيد. هذا رغم أن الجهاز الصحي الجماهيري كان قد وصل إلى حافة أزمة منهكة. وذلك بسبب سياسة سحقه وتجفيفه على مدى سنوات عديدة سابقة. وبالمقابل كانت مواجهة التحدي الإقتصادي في شهريْ آذار ونيسان سيئة جدًا. هذا رغم أن المعطيات الإقتصادية الدقيقة أتاحت إمكانية اتباع سياسة مغايرة كليًا.

الجهاز الصحي الجماهيري قبل زمن انتشار الوباء

منذ بدء رئاسة نتنياهو للحكومة بدأت سياسة مثابرة ومتواصلة لتجفيف الجهاز الصحي الجماهيري. جرى في عام 1997، بعد مرور سنة على إنتخابه رئيسًا للحكومة إبطال الضريبة الموازية التي كان يدفعها أصحاب الأعمال/ المشغلون عن عمالهم. وهذه ضريبة كان يتم تحويلها إلى الجهاز الصحي. وذلك بسبب الحقيقة البسيطة أن العمال السليمين صحيًا بإمكانهم أن يعملوا. ويصل التقدير إلى أن إبطال هذه الضريبة للمشغلين خسرّ الجهاز الصحي ثلاثة مليارات شاقل سنويًا (هذا رغم أن وزارة المالية غطّت بشكل جزئي قسمًا من المبالغ من ميزانية الدولة). وكأنّ هذا لم يكف إذ جرى أيضًا تقليص ميزانية الصحة، ورفع مبلغ المشاركة الشخصية للمرضى في سعر الأدوية التي يشترونها. وأُضيفت إلى هذا مساهمتهم الشخصية في زياراتهم لإطباء أخصائيين لإجراء فحوصات خاصة. ومنذ يومها وعلى مدى عقدين تاليَيْن جرى تعميق مسار خصخصة الجهاز، واتسعت الهوّة بين الإحتياجات الحقيقية للجهاز وبين التمويل المخصّص لها. والنتيجة لهذا اليوم، حسب تقدير المختصين بالموضوع، هو أن الهوّة بلغت فارق 15 مليار شاقل.

أدّى هذا التجفيف للميزانية إلى تكبير اللامساواة بين أصحاب المقدرة الإقتصادية الذين بمقدورهم دفع مشاركتهم الشخصية وشراء تأمينات صحية إضافية – (عن طريق صناديق المرضى أو عن طريق شركات تأمين تجارية). وقاد هذا التجفيف للميزانية إلى ضائقة جدية في البنية التحتية وبما يخص القوى العاملة. والمقارنة بين الموارد في إسرائيل للجهاز الصحي وبين معدلها في دول OECD لسنة 2019 يثبت تعمّق التجفيف وتزايد ضائقة الجهاز الصحي في إسرائيل.

الموجة الأولى

بالرغم من ظروف الإنطلاق السيئة، عملَ الجهاز الصحي الجماهيري في إسرائيل في أثناء الموجة الأولى للكورونا بشكل جيّد ويستحق التقدير. تجنّد المجتمع بغالبيته أيضًا، والتزم بمتطلبات التباعد الفيزيائي القاسية، وأظهرَ أشكالًا عديدة من التضامن الإجتماعي على أرض مساحات العمل والحياة. تماثلت مع هذا النتائج الصحية. إذ كان عدد المصابين في نهاية شهر أيار أقل من 300 شخص. وكانت نسبة الموتى من السكان أقل من مثيلاتها في الدول المتطورة.

لكن، وكما كنّا قد ذكرنا، الكورونا ليست مسألة صحيّة فقط. أدىّ الحصار إلى أزمة إقتصادية عميقة تتطلب المواجهة أيضًا مع الأزمة الإقتصادية- الإجتماعية من ناحية التضامن والكفالات والتعهدات المتبادلة. لكن في هذا الإمتحان بالذات فشلت الحكومة كليّاً لأنّ الدمج بين السياسة الإقتصادية المحافظة والجمود التفكيري الوطيد في العلاقة بين المال والسلطة أدّى إلى اتباع سياسة تهتم بالأقوياء فقط. بينما في الدول التي توجد فيها حكومات ذات توجّه أيديولوجي مختلف، مثلًا بريطانيا والنرويج، أسالت وقدمت الأموال لمنع فصل العمال. لكن عندنا جرى فصل أكثر من مليون أجير، أو فرض عطلة عليهم دون دفع أجورهم. واضطر إلى قبض رسوم بطالة تساوي 40% فقط من أجورهم.

وفي الوقت الذي أعطت فيه دول أخرى، مثلًا فرنسا وألمانيا، مكافآت وإكراميات وأرصدة كبيرة لمنع إنهيار الأعمال الصغيرة والمتوسطة. واهتمت في الوقت نفسه، بتوفير شبكة أمان للمستقلين تساعدهم على البقاء رغم الأزمة، كانت المساعدة عندنا أقل بكثير وفي وقت أكثر تأخرًا. وحرصت الحكومة ووزارة المالية على إرجاع أكثر ما يمكن من الشركات الكبرى إلى العمل وأهملت الشركات الصغيرة والمستقلين. ودفّقت الحكومة مبالغ طائلة للإغنياء، بمن فيهم هؤلاء الذين لم يكونوا بحاجة لأية مساعدة. مثلًا مكافآت في الضرائب للمستثمرين في الأملاك غير المنقولة.

أعطى بنك إسرائيل في بداية شهر حزيران 15 مليار شاقل لسندات القيمة للمليونيريين، رغم الحاجة لها في مجالات أعمال واقتصاد أخرى. جرى هذا التدفيق للأموال في الوقت الذي لم تكن فيه بعد أزمة. وقام حتى اقتصاديون محافظون بتوجيه الإنتقادات لهكذا عمل "يقضي على جهاز التسعيرة في السوق ويمنح تنفّسًا إصطناعيًا لشركات لا تستحقه (أنظر/ي صحيفة "دي ماركر"، الملحق الإقتصادي لصحيفة "هآرتس"، بتاريخ 7.7.2020).

لا يوجد مثال يسجّد بشكل أفضل تفضيل أصحاب رؤوس الأموال المقرّبين للسلطة على حساب المنطق الصحي، من القرار بالسماح لفتح حوانيت شركة "إيكا" في الوقت الذي جرى فيه بالمقابل إغلاق الحوانيت المحاذية لها. وفي الوقت الذي كان يُسمَح فيه بإدخال شخصيْن للحانوت في زمن واحد، جرى السماح بإدخال العشرات والمئات لإيكا – (إقرأ/ ي الخبر الذي جرى نشره عن مصاب واحد بالكورونا في إيكا ألزم العشرات بالعزلة). وللتصديق على هذه السياسة الفاشلة، قامت الحكومة وأبواقها الإعلامية باتهام الآخرين. اتهموا المستقلين بأنهم "بكائون"، وقالوا عن أصحاب المصالح الصغيرة أنهم "غشّاشون". وشهّروا وحطّوا من سمعة المعلمات بقولهم عنهن أنهن يرفضن حمل العبء المطلوب. وقالوا عن الأطباء الذين يتخصصون أنهم "كسالى وليسوا على استعداد للعمل 26 ساعة متواصلة".

كانت نتيجة هذه السياسة الإقتصادية، التي إعتمدتها الحكومة في أثناء الموجة الأولى للكورونا، كئيبة ومغمومة. والتباطؤ الإقتصادي الذي كان نتيجة لا يمكن منعها للقرار بالعزل/ الحصار أصبح انكماشًا إقتصاديًا. لأنه في أثناء الحصار ومع انتهائه خفّضت مئات آلاف العائلات مشترياتها بشكل جدّي حين وجد معيلوها أنفسهم بدون عمل، أو انهار مشروع عملهم الخاص. أظهرت معطيات بنك إسرائيل هبوطًا حادًا في الشراء، ما عدا في السوبر ماركتات وفي الصيدليات.

ما الذي حصل بعد المواجهة الناجحة نسبيًا من الناحية الصحية في الموجة الأولى، حتى وجدت إسرائيل نفسها في واقع كئيب ومغموم إلى هذا الحد؟ هنالك عدة  أسباب لهذا التقصير والإهمال يرتبط الواحد منها بالآخر. السبب الأول، وحسب رأيي هو السبب الأساسي، مغروس في السياسة الإقتصادية التي اعتمدتها الحكومة في شهريْ آذار ونيسان. لم يسمح الجمود الأيديولوجي لنتنياهو ولموظفي وزارة المالية بتبنّي خطوات تمنع وجود مليون عاطل عن العمل وانهيار المصالح الصغيرة. هم أمناء لموقفهم النيو- ليبرالي. لذا واصلوا موازنة الميزانية ومصالح الشركات الكبرى على حساب مصلحة غالبية المجتمع.

حدث هذا رغم أن الظروف الإقتصادية البدائية والصغيرة في بداية الأزمة كانت أفضل من ظروف غالبية الدول – (نسبة بطالة صغيرة، تضخم مالي منخفض، علاقات ممتازة بين الديون والمنتوج، احتياط كبير للعملة الأجنبية)- ورغم هذا امتنعت حكومة إسرائيل عن اتخاذ خطوات كانت مطلوبة. وبدلًا من تبنّي سياسة كتلك التي طرحتها حركة "نقف معًا" في شهر آذار – سياسة تحافظ على بقاء العاملين في أماكن عملهم من خلال سبسدة/ دعم الأجرة- (مثلما فعلت الدول الإسكندنافية... وحتى دول أخرى ترأسها حكومات محافظة، مثل المانيا أنجيلا ماركل وبريطانيا بوريس جونسون المحافظ)- قامت الحكومة الإسرائيلية بالذات بتشجيع فصل العاملين وإخراجهم لعطلة غير مدفوعة الأجرة، ولمدة غير محدّدة. وبدلًا من دعم المستقلين وإعطاء القروض للأعمال الصغيرة- (مثلما أعطوا في فرنسا وألمانيا)- أقامت الحكومة صندوق دعم للشركات الكبرى، وأعطت أصحاب المصالح الصغيرة إكراميات صغيرة.

أذهلت هذه السياسة الكئيبة والعمياء نتنياهو ووزراءه، وأدّت إلى فتح أسرع من اللازم للإقتصاد ولجهاز التعليم. وكانت الحكومة قد سمحت منذ شهر نيسان في الموجة الأولى للكورونا بالعودة إلى حد ما للعمل. وحسب تقرير بنك إسرائيل بخصوص حركة الناس إلى مكان العمل في شهر آذار مع بدء الوباء وفرض الحصار، حدث هبوط حاد في الحركة نحو أماكن العمل- (وصلت إلى 70% في إنخفاضها بالمقارنة مع الشهر الذي سبق الأزمة)، وإلى 80% في الأمكنة التجارية الترفيهية.

ولكن منذ النصف الثاني من شهر نيسان، وعلى خلفية مجموعة تسهيلات أعلنت عنها الحكومة، حدث تحسن واضح في الذهاب إلى أماكن العمل وأيضًا، وإن كان بصورة أقل، في الذهاب إلى الأماكن التجارية.وتقلّص الفارق بالنسبة للمستوى الذي كان في الشهر السابق إلى 50%و 70%. وألغت إسرائيل بسرعة غالبية التحديدات التي كانت قد فرضتها وغدت الدولة الأكثر تساهلًا في العالم. وللأسف لم تتأخر النتيجة في المجيء، إذ حدث ارتفاع ليس بقليل في عدد المرضى، وموجة جديدة وأكبر من الإصابات كان على إسرائيل أن تواجهها في نهاية شهر آب 2020.

السبب الإضافي لهذا التقصير والإهمال هو الإنفصال المطلق لحكومة إسرائيل عن غالبية السكان. ورغم أنه في المجتمعات التعددية يكون القاسم المشترك مختلفًا بشأنه، تعبّر الديمقراطية عن نفسها بتمثيلها لما ترى فيه الغالبية الأمر الأفضل المشترك. ولكن حكومة إسرائيل تنازلت حتى عن التظاهر بالإهتمام بالصالح المشترك. ويقف على رأسها شخص كل ما يهمه هو التخلص من محاكمته وبقائه السياسي. وخان شركاؤه في حزب الليكود وفي أحزاب الائتلاف الحكومي واجبهم في خدمة المصلحة العامة المشتركة. وكانوا، في الحالة الأفضل، مشلولين. في الحالة الأٌقل جودة اهتموا بتقديم مصالح المقربين لهم ومنح القوة الشخصية لهم والتفسير لماذا ما من حاجة للتحديدات في المجالات التابعة لمسؤوليتهم.

حدث كل هذا على حساب صحة ومعيشة غالبية الإسرائيليين. وكفّت الحكومة عن العمل كوِحدة ذات هدف واضح (حتى لو كان مختلف بشأنها). هي غدت بهذا أشبه بفرفرة وتشنج المشرف على الموت. أصبحت كل خلية - (كل مكتب حكومي)- تعمل بشكل مستقل، بدون أي تنسيق أو مشاركة في العمل. والنتيجة هي سكتة قلبية- كفّ القلب عن القيام بواجبه.

السبب الإضافي للإنزلاق نحو الأزمة هو الفقدان الكلي لثقة الجمهور بالحكومة وبالقيادة السياسية. أظهرت الأبحاث في مجال صحة الجمهور بشكل واضح أن ثقة الجمهور هي المستودع والمستمَد الأساسي لنجاح سياسة صحة الجمهور عمومًا، وخصوصًا لنجاح خطوات مواجهة الأزمات بما فيها الأوبئة مثلًا. لكن حكومة إسرائيل فقدت بشكل مطلق ثقة الجمهور. وذلك بسبب سياستها التي مسّت بقساوة بالعديد من  الناس، وبغياب إستعدادها ومقدرتها على تحقيق وتنفيذ ما كانت قد قرّرته- (مثلًا تعيين مدير خاص قيّم ومسؤول عن مواجهة الوباء، وتجاهل غالبية توصياته). أضف إلى هذا القرارات اللاعينية وغير الهامة، والصراعات على صغائر الأمور بين الوزراء، والذاتوية الأنانية لكل منهم. وفهمنا جميعًا أن الحكومة لا ترانا حتى على بُعد متر واحد. وأدّت كل هذه الأمور معًا إلى عدم ثقة الجمهور بالحكومة وإلى عدم استعداده لقبول قراراتها وتوجيهاتها.

ونقول أخيرًا أن الأزمة ضربت إسرائيل بشكل قاس وصعب بسبب المس بقدرات الأجهزة السياسية. هذا المس هو نتاج لسنوات عديدة من اعتماد السياسة النيو- ليبرالية/ الليبرالية الجديدة. وتجفيف جهاز صحة الجمهور في وزارة الصحة هو أحد الأمثلة الأكثر بروزًا، ولكنه ليس الوحيد. لذا لا نستطيع في وقت الأزمة الإتكاء على الأجهزة السياسية المدنيّة. ولهذا تم جلب مدير/ برويكتور خارجي بدلًا من الإعتماد على وزارة الصحة. وأوكلوا الجيش مهمة بناء جهاز لوقف سلسلة العدوى. لأن الجيش هو التنظيم السياسي الوحيد الذي زادت ميزانيته في سنوات سياسة الليبرالية الجديدة، ولأنه أيضًا هو المنظمة السياسية الوحيدة القادرة على مواجهة التحدي اللوجستي وتوفير الإمدادات اللازمة. ونتيجة لهذه الأسباب العائدة لسياسة الليبرالية الجديدة للحكومة أصبحت إسرائيل الدولة المتطورة الأولى التي اضطرت إلى أعلان الاغلاق/ الحصار للمرة الثانية.

وفي الوقت الذي أعطت فيه بعض الدول، مثلًا فرنسا وألمانيا، مكافآت وإكراميات لمنع انهيار محلات الأعمال الصغيرة والمتوسطة، ووفّرت بالمقابل أيضًا شبكة أمان للمستقلين تتيح لهم البقاء في زمن الأزمة، كانت المساعدة عندنا أقل بكثير وأكثر تأخرًا. وحرصت الحكومة ووزارة المالية على إرجاع أكثر ما يمكن من الشركات الكبرى إلى العمل وبأسرع وقت ممكن، وأهملتا المستقلين أصحاب المشاريع الصغيرة.

ضخّت الحكومة مبالغ ضخمة جدًا للأغنياء، حتى عندما لم يكونوا بحاجة إلى ذلك. مثلا جرى تقديم تسهيلات في الضريبة للمستثمرين في العقارات غير المنقولة. وأعطى بنك إسرائيل في شهر تموز 15 مليار شاقل لسندات القيمة للمليونيريين رغم الحاجة الضرورية لهذه الملايين في مجالات إقتصادية أخرى، وعلمًا بأن الضخ للأموال جرى في وقت لم يكن فيه السوق المالي يعاني من أية أزمة. انتقد هذا العمل حتى إقتصاديون محافظون ورأوا فيه عملًا "يقضي على جهاز التسعيرة في الأسواق، ويوفّر تنفسًا إصطناعيًا لشركات لا تناسبه ولا تستحقه" (أنظر" دي ماركر" الملحق الإقتصادي لصحيفة "هآرتس" بتاريخ 7.7.2020).

لا يوجد مثال يجسّد بشكل أفضل تفضيل أصحاب الأموال المقرّبين للسلطة على حساب المنطق الصحي والسليم من فتح متجر "إيكا"، في الوقت الذي اضطرت فيه الحوانيت الموجودة في شارع ذاك المتجر إلى إغلاق أبوابها. وفي الوقت الذي كان يُسمح فيه للحانوت بإدخال شخصين فقط معًا في وقت محدّد، كان يدخل لإيكا عشرات ومئات الزبائن معًا- (إقرأ الخبر الذي جرى نشره عن مريض دخل إلى إيكا وأدخل عشرات الأشخاص للحجر الصحي).

لتبرير هذه السياسة الفاشلة قامت الحكومة وأبواقها الإعلامية بإتهام الآخرين.هم أطلقوا لقب "البكّأئين" على المستقلين الصغار، واتهموا أصحاب المصالح الصغرى بأنهم "غشّاشون"، وشوّهوا سمعة المعلمات بالقول عنهم أنهن لا يردن المشاركة في حمل العبء. واتهموا الأطباء الذين يتخصصون بأنهم "كسالى لا يوافقون على العمل 26 ساعة متواصلة".

كانت النتائج للسياسة الإقتصادية التي اعتمدتها الحكومة في الموجة الأولى للوباء كئيبة. التباطؤ الإقتصادي الذي كان نتيجة للحصار/ للإغلاق" استحال إلى إنكماش في التطور الإقتصادي. وذلك لأن مئات آلاف العائلات خفّضت بشكل جدي مشترياتها عندما أصبحت بدون عمل، أو أنهار مشروعها العائلي. ويُظهر جدول تخطيطي قام بإعداده بنك إسرائيل أن الشراء عن طريق بطاقة الإعتماد يبيّن هبوطًا حادًا في إقتناء الحاجيات، ما عدا الشراء من السوبر ماركتات والصيدليات. وتراوحت نسبة الهبوط بين 50% إلى 100% في الصرف على الثقافة والترفيه والمطاعم والسياحة وشراء الآثاث والمنتوجات الكهربائية والثياب والمواصلات والوقود والمنتوجات لإعداد المأكولات البيتية.

مواجهة الموجة الثانية: الصحة والإقتصاد

حدث تشابك وتداخل في الموجة الأولى للكورونا بين الصحة والوضع الإقتصادي. جرى نجاح في المجال الأول وظهورمعطيات مقلقة في المجال الإقتصادي. لكن في الموجة الثانية أصبح مجرّد الخيار بين الإهتمام الصحي والإهتمام المعيشي أمرًا كاذبًا. أدّت سياسة الحكومة إلى ظهور وضع لا تتوفر فيه لا الصحة ولا المعيشة. واستحالت معطيات الإصابة بالوباء، نتيجة لمجموعة من الأسباب جرى ذكرها سابقًا، إلى معطيت رقمية قاسية جدًا.

كان يوجد في شهر أيار، بعد الخروج من الموجة الأولى، 4897 مريضًا وبلغ يوميًا عدد المرضى المؤكدين 30 مصابًا. ووصل عدد المرضى في بداية تموز8629 شخصًا وإلى 1000مصاب جديد يوميًا.ووصل عدد المرضى الفعليين في بداية آب إلى 22845 إنسانًا والى 1700 مصابًا جديدًا يوميًا. وبلغ مجمل عدد المصابين الفعليين مع بدء الحصار الثاني 71000 شخصًا، وارتفع عدد المصابين يوميًا إلى 4000. وحدث ارتفاع أكثر حدة في المرضى ذوي الإصابات القاسية، إذ تضاعف عددهم تقريبًا بين نهاية آب ونهاية أيلول- من 440 بتاريخ 29 آب إلى 767 بتاريخ 25 أيلول. وتعدّى عدد وفيات الكورونا سقف 1400 في نهاية أيلول.

وسوية مع هذا التصاعد في الأرقام ازداد سوءً وتفاقمَ الوضع الإقتصادي. في محاضرة جرى فيها تحليل معطيات شهر تموز، مع بدء الموجة الثانية وقبل فرض تضييقات جديدة، ادّعى مدير دائرة الأبحاث في بنك إسرائيل البروفيسور ميشل سترابتشنسكي أن "الموجة الثانية للكارونا أدّت إلى إرتفاع نسبة المس بالحياة الإقتصادية المعيشية للبيوت وإلى تراجع عن التحسين الذي حدث في شهر حزيران. وبهذا عادت نسبة الإصابة والمس الإقتصادي المعيشي إلى المستوى الذي كان فيه في شهر أيار. وحسب أقواله الإقتصاد البيتي الذي تضرّر بسبب التوقف عن العمل شملَ في الأساس أصحاب الدرجات الدنيا من الدخل- (من 1 إلى 4). وبالمعدل بلغت نسبة الإقتصاد البيتي الذي وجد نفسه بدون معيلين في درجات الدنيا 1%.  والمس عمومًا في الدرجات العليا (8 إلى 10) جرى لدى 7% من الإقتصاد البيتي.

حدث تأثير كبير على الإقتصاد البيتي- بسبب بطالة العاملين وإغلاق محلات مشاريع المستقلين في أشهر أزمة انتشار الكورونا. وحسب الجداول الرسمية لبنك إسرائيل عن الإقتصاد البيتي للفئات المدرّجة من 1-4 ومن 5-7 ومن 8-10 حدث تراجع وهبوط في مدخولاتها وفي مصروفاتها. وما من فئة لم تتضرّر دخلًا وصرفًا في شهر بعد آخر.

هذا ما أكدت عليه المعطيات التي تضمنتها تقارير وجداول مؤسسة التأمين الوطني أيضًا. مثلًا في شهر أيلول عندما وصلت الموجة الثانية للكورونا إلى ذروتها بلغ عدد العاطلين عن العمل الذين جرى إخراجهم من العمل لعطلة إلزامية دون دفع معاشاتهم- (جرى تعويضهم جزئيًا بدفع رسوم بطالة لهم) – 55426 عاملة وعامل. وبالنسبة لـِ 30000 شخص منهم كانت هذه هي المرة الثانية التي يتم فرض العطلة الرسمية عليهم. وبعد عبور أسبوعيْن على هذا بلغ عددهم 80000 منهم 55000 تكرّر إخراجهم من العمل مرتيْن. ومن أصل 925000 شخص حصلوا على رسوم بطالة في نيسان 2020 لم تستطع غالبيتهم بالعودة إلى العمل واستمروا في قبض رسوم بطالة. وكانت النساء الأكثر تضرّرًا إذ بلغت نسبتهن 50% من العاطلين عن العمل، علمًا بأن عدد ونسبة النساء في القوّة العاملة أقل من عدد الرجال.

هذه الأسباب كانت هي الأساس للتقصير والإهمال الحكومي الذي زجّ بنا في موجة ثانية وثالثة. لقد قادتنا الحكومة لوضع لم يكن من بديل له إلا فرض حصار وإغلاق في أعقاب آخر. وفي كل أزمة عادت وأصرّت الحكومة على الأخطاء نفسها، دون أن تتعلم أي شيء من فشلها في زمن الموجة الأولى وفي الثانية أيضًا. ولم تحاول تبني خطة الرمزور/ الشارة الضوئية الإجتماعية التي إقترحتها حركة "نقف معًا". فرضت الحكومة حصارًا بعد آخر بدون تقديم جواب مناسب على احتياجات الناس. وهي ما زالت مصرّة على عدم تخصيص الموارد المطلوبة لمنع الفصل عن العمل. وفرّطت ثانية بالمستقلين أصحاب المشاريع والأعمال الصغيرة الذين نجحوا بشكل ما في البقاء في زمن الموجة الثانية للكورونا، وواصلت قبر فروع الثقافة والسياحة والإستضافة.

الوضع الإقتصادي لمجموعات واسعة في المجتمع الإسرائيلي صعب. وهو على عكس ما يدّعيه بروفيسور سمحون المستشار الإقتصادي الكبير لبنيامين نتنياهو. جرى المس بشدة وقسوة بالذات بالفئات الدنيا من المستقلين. والتوقعات للمستقبل لا تبشّر بالخير في الوقت الحاضر. وحتى قبل الإعلان عن الحصار الثاني، توقعات بنك إسرائيل مكفهرة وسوداوية. ومن المتوقع تراجع وانكماش المنتوج القومي بنسبة 9%، هذا في الوقت الذي يستمر فيه نمو عدد السكان. يعني هذا أن معدل تقليص المنتوج للفرد سيكون أكبر. ومن المتوقع أن يستمر إرتفاع نسبة البطالة حتى إلى نهاية سنة 2021.

عمليًا، وكما نعرف من تاريخ أزمات شبيهة، المس الصحي والإقتصادي لا يتوزع بشكل متساوٍ على الجميع. هو يمس أكثر بالفئات المستضعفة والمُهمشة والمُستغلة. المس الأكبر يُصيب العُشر الأدنى، وبين أوساط المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، وبين النساء ولكن صورة هذه الوضع المغموم والحزين ليست هي كل القصة. يجري الحديث عن أزمة عميقة. وهي مثلها مثل أية أزمة تترك وتفتح مفاهيم وإمكانيات جديدة.

ما الذي علّمنا إياه الوباء؟

وباء الكورونا زعزع بشكل عميق الإفتراضات الأساسية لليبرالية الجديدة. يوجد لهذه الليبرالية إفتراضان مركزيان. الإفتراض الأول أن الإنسان مخلوق أناني كليًا وهدفه هو تحصيل أكثر ما يمكن من الربح. والإفتراض الثاني هو أن الأجهزة الجماهيرية السياسية هي أجهزة محكومة بالفشل مسبقًا، والسوق "الحر" هو الجهاز الوحيد المفيد والفعّال لتخصيص الموارد ولتنظيم الحياة المشتركة. لذا تقود الليبرالية إلى خصخصة المشاريع الجماهيرية وخدمات دولة الرفاه، وإلى سيطرة السوق على حياتنا. عمليًا يستغل هذا الموقف كل أزمة عميقة ويحاول تفسيخ  المبنى التضامني والتنظيم الجماعي وتحويل كل مشروع إلى هدف للربح. بهذا تقوى سلطة المال الكبير وتتعاظم هيمنة المجموعات المتسلطة.

ولكن، وكما ذكرنا، كشف الوباء بشكل واضح خطأ هذه الادعاءات. لوْ تحققت عمليًا هذه الإفتراضات لليبرالية الجديدة عن طبيعة الإنسان، كانت ستكون آثار الوباء أصعب بكثير مما كانت عليه عمليًا. ولوْ كان الأطباء أشخاصًا أنانيين وكل همهم هو مضاعفة أرباحهم، لما التزموا بالمجيء يوميًا إلى العمل وخاطروا بأنفسهم لمعالجة وإنقاذ حياة الآخرين. ولوْ كان جميع الناس مخلوقات أنانية عندها كان العمال والعاملات والمحاسبات في الحوانيت والسائقون والعاملون في مجالات الصحة والعاملات الإجتماعيات والعاملون في مشاريع التغذية والزراعة... لن يحضروا إلى أمكنة العمل ويعرّضون صحتهم للخطر في سبيل معاشات هي أقرب في غالبية الحالات إلى الحد الأدنى من الأجور. ولوْ كان كل المجتمع أنانيًا ويسعى إلى مضاعفة أرباحه الشخصية إلى الحد الأٌقصى، لما بقي عندها أي احتمال لسياسة الإبتعاد الفيزيائي التي في أساسها المسؤولية تجاه كل المجتمع. وكان سيقوم عندها كل من يرى أنه بالإمكان المس به بشكل جدي بمخالفة هذه السياسة.

فقط الفهم لكون المجتمع مرهونًا ومكفولًا بالتعامل المتبادل وبالمثل، وبالضمانات المشتركة، أدّى إلى التزام الناس بالتضامن المتبادل وبالتجاوب مع التوجيهات. ويبرز هذا المعُطى على ضوء حقيقة أن القيادة السياسية هي التي خالفت بمثابرة القواعد التي قامت هي بوضعها- بدءً برئيس الدولة ورئيس الحكومة اللذيْن لم يحترما قواعد الحصار في ليلة العيد. وكذلك الأمر بخصوص الوزراء وتصرفاتهم المخزية باهتمامهم فقط بمصالحهم الضيّقة للمكتب الوزاري الذي يرأسونه، على حساب المصلحة الجماهيرية العامة. وتبث أنه في وقت الامتحان تتصرّف غالبيتنا بتضامن عميق. شهدت على هذا عشرات المبادرات المحلية التي برزت على خلفية غياب التضامن من جهة الحكومة.

جرت الإطاحة أيضًا بصحة الافتراض الثاني لليبرالية الجديدة عن أفضلية السوق على القطاع الجماهيري العام في زمن أزمة الكورونا. ها هو قد تبث بشكل واضح أن جهاز الصحة الجماهيرية بإمكانه مواجهة الوباء. هذا رغم أن هذا الجهاز في إسرائيل جرى إنهاكه وإستنزافه وتجويعه بعد قيام الحكومة وموظفو وزارة المالية الكبار باتباع سياسة تجفيفه واعتماد ودحرجة صحة كل إنسان فرد على مدى عمق جيبه. ظهرت مجموعات العاملين في جهاز الصحة الجماهيري بكامل عظمتهم. وثبت أنه عند الحاجة ليس بإمكاننا الإعتماد لا على الرغبة بالربح في السوق الفردي الخاص، ولا على العمل الخيري الكريم لأغنياء إسرائيل. نحن بحاجة في ساعة الإمتحان لأجهزة جماهيرية بإمكانها أن تعمل بفعالية وأن يتم تمويلها من جهاز ضرائبي تقدمي. هذه الحقيقة واضحة إلى درجة أنه حتى بنيامين نتنياهو، الذي هو أكثر من عملَ على خصخصة جهاز الصحة، اضطر إلى الإعتراف بها.

في وقت تعاظم الموجة الثانية للكورونا طالب نتنياهو بإعداد قانون يُلزم الأطباء والطبيبات اللذين يعملون في جهاز الصحة الخاص بالانتقال إلى العمل في الجهاز الجماهيري. لقد فهمَ، وان كان بعد تأخير، أن هدف جهاز الصحة الفردي ليس تقدم وتطوير الصحة، بل ربح النقود. وما دام هذا هو هدف الجهاز، ما الداعي لمشاركته عندها في الجهود لمواجهة الكورونا؟ هذا جهد لا توجد فيه أرباح ولا الالتزام التضامني بصحة المجتمع بأكمله.

الإثبات الأكبر والقاطع على حيوية جهاز الصحة الجماهيرية هو حملة التطعيم ضد الكورونا. ورغم التحديات والنقاط  التي تتطلب الإصلاح- (مثلًأ تطعيم كبار السن الموجودون في أسرتهم وفي بيوت المسنين). أتاح قانون التأمين الصحي الإلزامي العام التطعيم الشامل والمجاني ووفّر البنية التحتية لصناديق المرضى التي تدير جهازًا طبيًا راقيًا لخدمة الجمهور وتنفّذ حملة تطعيم سريعة وواسعة.

تفنيد ودحض الإفتراضات المركزية للتوجّه الليبرالي الجديد يفتح ويضمن الإمكانيات لما بعد الأزمة. وفشل الليبرالية الجديدة في مواجهة الوباء يسلتزم تقديم أجوبة تضامنية ومساواتية لتنظيم المجتمع، ولتنظيم الإقتصاد والخدمات الصحية وجهاز التربية والتعليم وأجهزة الرفاه والضمانات الإجتماعية.

إمكانية التغيير السياسي

تفتح أزمة الكورونا في إسرائيل إمكانية اقتراح بديل حقيقي وجدّي لسلطة اليمين التي تحكمها منذ سنوات. اعتمدت سلطة اليمين برئاسة بنيامين نتنياهو على حلف بين عدد مجموعات إجتماعية، خاصة المستوطنين الأيديولوجيين والصهيونية الدينية عمومًا والأصوليين الدينيين الاشكناز والشرقيين، وعلى الطبقات المتوسطة، والمتوسطة- المنخفضة الشرقية، وعلى القادمين من الإتحاد السوفييتي. هذا التحالف دعمَ وطوّر سياسة كان المستفيدون منها في الأساس المستوطنين الأيديولوجيين وأصحاب رؤوس الاموال.ولكنها أحسنت بطرق مختلفة(مادية ورمزية) لمجموعات أخرى أصبحت قاعدة داعمة لسلطة اليمين.

أزمة الكورونا غيّرت هذا الوضع. وكما قال مدير دائرة الأبحاث في بنك إسرائيل أزمة الكورونا مسّت بقسوة وبشدة بالفئات المنخفضة وبالمستقلين الصغار. والأصوليون الدينيون شعروا أيضًا بأنه جرت خيانتهم بفرض الكثير من العصي عليهم والقليل من الجزر. لذا، ولأول مرّة منذ سنة 2009 توجد شقوق في الائتلاف الذي يحافظ على سلطة اليمين. وتعميق هذه الشقوق يفتح الإمكانيات لإجراء تغييرات سياسية، وإن كانت لن تحدث بالضرورة في الإنتخابات القريبة في شهر آذار 2021. هذا طبعًا. بشرط أن نجيد التصرّف بشكل صحيح.

تفتح أزمة الكورونا الإمكانيات لإرتباطات جديدة. سياسة نتنياهو واليمين بقيادته كانت سياسة "فرّق – تسد"، ووضع مجموعات مقابل مجموعات، وخاصة سياسة زيادة تطرّف الخطاب وسن القوانين العنصرية ضد المواطنين الفلسطينيين. أثبتت أزمة الكورونا أن سياسة فرّق تسد كارثة. هذا ما أكده نقص مقدرة الحكومة في مواجهة انتشار الوباء بين أوساط المتدينين الأصوليين اليهود وبين المواطنين العرب في إسرائيل.

مواجهة المواطنين العرب الفلسطينيين في إسرائيل لأزمة الكورونا كانت قاسية وصعبة بشكل خاص. سنوات التمييز والإهمال وغياب برامج وتطوير مناسبة وجيّدة أوجدت ظروفًا بنيوية مشكلية بشكل خاص في مواجهة الوباء. الإكتظاظ الكبير داخل البيوت وبين بعضها البعض، ومستويات عالية من الفقر، وغياب موارد على مستوى السلطات المحلية، وغياب الثقة بسلطات الدولة المسؤولة عن التمييز والإهمال. ويُضاف إلى كل هذا الجواب المتأخر من قبل الحكومة بما يخص الإعلام باللغة العربية عن ظروف وشؤون الوباء. وكذلك تقديم الأدوات المطلوبة لمواجهته.

يُضاف إلى هذا إثبات الوباء للمشاركة في المصير لكل مَنْ يعيش هنا: نمرض معًا أو نكون أصحاء سالمين معًا. وأثبتت في الأساس أهمية العمل المشترك اليهودي- العربي. والعمل المشترك والناجح لطواقم الأطباء هو الإثبات الحاسم لهذه الحقيقة. لذا ليس من باب الصدفة هبوط وتراجع الخطاب العنصري إلى حد الإختفاء في الأشهر الأخيرة. هذا لا يعني إختفاء المبنى العنصري أو محوّ العنصرية التي تميّز المجتمع الإسرائيلي. ولكنه نعم يعني أن الأزمة فتحت تميّز المجتمع الإسرائيلي. ولكنه نعم يعني أن الأزمة فتحت إتجاهات وإمكانيات جديدة لبناء فعاليات مشتركة ولطرح بديل شامل لنمط المجتمع الذي بناه اليمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • بروفيسور داني فيلك: طبيب ومحاضر في موضوع السياسة والسلطة ونشيط فعّال في المجال السياسي والاجتماعي، وباحث في مجال المجتمع الإسرائيلي وجهاز الصحة. هو من مؤسسي حركة "نقف معًا" وعضو قيادتها. وكان رئيسًا لجمعية "أطباء من أجل حقوق الإنسان"، وهو اليوم عضو في إدارتها. ألّف كتبًا من بينها:"سلطة المال" (مع البروفيسور أوري رم)، و"الشعبوية والهيمنة في إسرائيل" و"سياسات الكوميكس".

 

  • ترجمَ هذه الدراسة من اللغة العبرية إلى العربية الكاتب سميح غنادري.
 
تعليقات