أمجاد العرب
صحيفة الكترونية يومية amgadalarab.48@gmail.com
ألصفحة الرئيسة
أخبار .. بيانات
عناوين اخبارية
ملفات اخبارية
مختارات صحفية
كورونا حول العالم
بيانات و تصريحات
تحت المجهر
كواليس واسرار
كورونا
مقالات وتحليلات
مواضيع مميزة
مقالات وافكار
تقارير دراسات
ادب وثقافة
منوعات
الأسرى
كلمة الأمجاد
راسلنا
من نحن
 
كلمة الأمجاد
شاكر فريد حسن/ رحيل أيقونة الفكر السياسي والثوري أنيس النقاش
 
المتواجدون حالياً
 
المتواجدون حالياً :
 
 56
 
عدد الزيارات : 45708735
 
عدد الزيارات اليوم : 10684
 
أكثر عدد زيارات كان : 76998
 
في تاريخ : 2014-04-20
 
 
مقالات
 
مواضيع مميزة
جنرال بالاحتلال: ثلاثة أوْ أربعة صواريخ دقيقة كافيّة لشلّ إسرائيل والجبهة الداخليّة الإسرائيليّة ستكون الساحة الرئيسيّة في الحرب المقبلة

تقرير اممي يحذّر: إسرائيل توسّع النشاط في مفاعل ديمونا والذي يتضمن أسلحة نوويّة

هل جرت مُقابلة رغد صدام حسين على الأراضي الأردنيّة وهل يُمكن أن يعود نظام الرئيس العِراقي الراحل للحُكم؟.. قصّة انشقاق ومقتل حسين كامل بلسان زوجته

“واشنطن بوست” تفجر المفاجأة: الرئيس الأمريكي قرر رسميًا رفع السرية عن تقرير مقتل خاشقجي وسيكشف دور بن سلمان

السيد نصر الله: ستواجه الجبهة الداخلية الإسرائيلية في الحرب المقبلة ما لم تعرفه منذ قيام “إسرائيل” وفكرة التدويل بشأن الحكومة اللبنانية دعوة للحرب..

تفكيك “لغز زيارة حسين الشيخ”: فدوى البرغوثي تحدّثت عن “شبه تهديد” و”الأخ أبو القسام” تلقّى عرضًا ورفضه قبل اقتراح “خطّة تقاسم” لأعلى ثلاثة مناصب

تل أبيب: “إطلاق آلاف الصواريخ الدقيقة يوميًا سيمنع المنظومة الدفاعيّة الإسرائيليّة من توفير حمايةٍ مُحكمةٍ لأجوائها والخطر سيزداد إنْ أتت صواريخ كروز من العراق أو اليمن”

الشيخ يكشف تفاصيل لقائه بالبرغوثي في سجون الاحتلال وتقارير إسرائيلية تتحدث عن تقديم الرئيس عباس “عرضا مغريًا” للتنازل عن ترشحه لانتخابات الرئاسة الفلسطينية

إعلام إسرائيلي: الهدف من التطبيع بناء حلف إقليمي لمواجهة إيران وكبح تركيا وقطر

مصدر إسرائيلي: بن سلمان ولي العهد الأكثر دعماً لـ”إسرائيل” في النظام السعودي ولو كان الأمر مرتبطاً به لكان حصل التطبيع

اتهّم نتنياهو بالمسؤولية.. رئيس الموساد الأسبق يُحذّر من اغتيالٍ سياسيٍّ تعقبه حربًا أهليّةً خطيرةً ويؤكِّد: الحاخامات يُحرِّضون المؤمنين ويُصدِرون فتاوى تُجيز القتل

الامين العام للامم المتحدة غوتيريش يحذر: كورونا خارج السيطرة.. والعالم يحترق!

نتنياهو يُؤكّد بأنّ دولاً في المِنطقة ستحذو حذو الإمارات وتُوقّع اتفاقيّات تطبيع مع إسرائيل قريبًا.. ويُوافق على حلٍّ وسط يُرجِئ المُوازنة ويَحول دون إجراء انتخابات جديدة

 
مواقع صديقة
نبض الوعي العربي
سورية العربية
الصفصاف
مدارات عربية
 آخر الأخبار |
   نصف الإسرائيليين تلقوا التطعيم: نسبة الإقبال في المجتمع العربي متدنية      الولايات المتحدة تعلن تنفيذ ضربة جوية استهدفت هيكلا تابعا لفصيل مدعوم من إيران في سوريا بعد سلسلة هجمات صاروخية على أهداف أمريكية بالعراق      وسائل إعلام إسرائيلية: مفاوضات خليجية إسرائيلية لإنشاء تحالف أمني دفاعي من اربع دول في الشرق الاوسط      في رسالة غاضبة إلى واشنطن.. إسرائيل: لن نقايض الوجود الإيراني في المنطقة بالاتفاق النووي      استطلاع: نسبة التصويت في المجتمع العربي تصل إلى 57%...المشتركة 8 مقاعد والموحدة 4 مقاعد وفق الاستطلاع      لن تُسكتوا صَوتِي .. // بقلم / د. عبد الرحيم جاموس      لتنكر لعدم وجود معتقلين لفتح عند حماس انتكاسة وطنية خطيرة بقلم:- سامي ابراهيم فودة      الكورونا والتغيير الإجتماعي بقلم: داني فيلك-- نرجمة سميح غنادري      إسرائيل تهدد بتحرك عسكري من العيار الثقيل في حال تجاوزت عدد صواريخ “حزب الله” اللبناني الدقيقة “الخط الأحمر”      بطل من بلادي: أنيس النقاش.. الجانب الآخر المخفي بسام ابو شريف      اعشقك جدا //محمود العياط      هل تفشل الانتخابات؟ // مصطفى إبراهيم      تقرير مخابراتي أمريكي يتهم ولي العهد السعودي بإصدار الموافقة على قتل خاشقجي و”سي إن إن” تكشف عن”وثائق سرية”: طائرات فريق الاغتيال تابعة لشركة يملكها بن سلمان      بايدن: قرأت تقرير المخابرات الأمريكية عن مقتل خاشقجي وسأجري اتّصالاً مع العاهل السعودي قريبًا      سرائيل متخوفة من إعادة فتح تحقيق حول جرائم الحرب التي ارتكبتها في غزة والضفة وتقرير يكشف عن طلب نتنياهو من بايدن بشأن العقوبات التي المفروضة على “الجنائية الدولية”      دراسة إسرائيلية شملت 1.2 مليون شخص تؤكد فعالية لقاح فايزر بنسبة 94%      غياب المشروع السياسي الفلسطيني..! بقلم: شاكر فريد حسن      سأبحث عن ديار في دياري .! يوسف جمّال - عرعرة      حملة جديدة من الافتراء على الفنان الرمز دريد لحام تحت لافتة ‘التطبيع‘ زياد شليوط      الأزمة تتصاعد.. إيران تقيد عمل المفتشين الدوليين وأوروبا تستنكر وواشنطن تدعو طهران للتعاون مع الوكالة الدولية      كورونا في البلاد .. معامل العدوى يرتفع مع تشخيص 4395 إصابة جديدة بكورونا      استطلاعان: نتنياهو لن يتمكن من تشكيل حكومة مقبلة      الطفرة البرازيلية أكثر فتكا بالشباب الصحة: فلسطين دخلت الموجة الثالثة و عدد الإصابات في مؤشر تصاعدي حاد      الليكود تواصل مع السلطة الفلسطينية من أجل دعم نتنياهو في الانتخابات...ولجنة التواصل ترد في بيان لها      عبد الباري عطوان //لماذا تتصاعد حرب الشائعات ضد الدولة السورية هذه الأيام؟      نتنياهو يعقِد أوّل جلسة لمناقشة الإستراتيجيّة الإسرائيليّة فيما يتعلّق بالاتفاق النوويّ الأمريكيّ-الإيرانيّ: “لا للاتفاق لأنّ طهران ستخرقه      إيران تنشر وثائق تدلل على مشاركة أنظمة بالمنطقة في اغتيال سليماني..في تلميح للسعودية وقطر والإمارات والبحرين.       كورونا في المجتمع العربي: 1232 إصابة جديدة خلال يومين      فقدان حاستي الشم والتذوق لدى متعافي كورونا قد يستمر 5 شهور      التطعيم في البلدات العربية: ثلثا الافراد في الفئة العمرية 50 فأكثر تلقوا الوجبة الأولى     
ادب وثقافة  
 

حازم يعود هذا المساء (حكاية سيزيف الفلسطيني) رواية نبيل عودة

2021-01-15
 

 

حازم يعود هذا المساء

(حكاية سيزيف الفلسطيني)

رواية

 نبيل عودة

 

افتتاحية المؤلف

هل يكتمل الحب بلا وطن؟

وتكتمل الآمال بلا بيت؟

وتكتمل الأحلام بلا ملاعب الطفولة؟

ويجد الانسان غايته، بعيداً

عن عرائش صباه ؟!

ويتمتع بالراحة، في مجتمع  

القيمون عليه لصوص ؟!

*****

هل تسمى حياة، هذه الملعونة

أمام خرائب شعبنا،

بظلال تاريخنا المهدم ...

وحاضرنا المنفي ...

وثقافتنا المصلوبة بين اللصوص،

وحضارتنا المسروقة ...

ودمنا النازف باستمرار ؟؟!!

 

*****

اذن ...

ما هو الحب ؟!

وما هي الحياة ؟!

 

*****

هل يوجد حب

بلا وطن.. ؟!

هل توجد حياة

بلا وطن .. ؟!

نبيل عودة

حازم يعود هذا المساء

(حكاية سيزيف الفلسطيني)

 

تجلى امام عيني بلا سابق توقع. انبثق وبرز من حيث لا أدرى. رؤيته فاجأتني. وقفت مشدوها مستنفرا ما استطعت عليه من حواسي، للتأكد من حقيقة ظهوره.

لوهلة أكاد اكذب عيني. لا أدري ما يجري حولي. ربما لم استوعب حقيقة ظهوره؟! مسألة لم تخطر على البال. أقرب للمعجزات. ما أصعب تصديق رؤيته. فجأة ينجلي أمام عيني. هكذا بلا توقع. كصفعة فجائية تركتني مذهولا عاجزا عن الفهم والادراك.

كان التفكير بلقائه، منذ غادر... نوعا من العبث. ولكن ها هو أمامي! بصورته التي أعرفها. بكيانه المميز. أتفرس به بذهول، بحيرة. أراه ولا أصدق، أتفرس بوجهه المليء المكتنز، بوجنتيه البادئتين بالترهل، بقامته المتوسطة الطول، المليئة تماما، بحركاته الرصينة...هو ولا أصدق. متى عاد؟ وكيف؟! وهل تجوز عودته؟! يقبلها المنطق؟! أنفض الاسئلة من ذهني وأواصل تفرسي به بفقدان القدرة على الفهم...

ذكراه كانت دائما في البال، ولكن منذ غادر، أيقنت ان ما بيننا انتهى، لا شيء الا ذكرى طيبة عن أيام لا تنسى، نستعيد أحداثها بحماس وشغف، غير مبالين من فقدان بعض التفاصيل والهوامش، فحماس الذكرى يكمل ما نقص... ثم ها هو يصعقني بظهوره؟!!

 يفاجئني!!

وقفت مذهولا أمام حقيقة ظهوره. يتناثر المنطق ويفر مهزوما أمام تجليه الذي لا شك فيه. أواصل وقوفي مرتعشا ومتفرسا به، بوجهه، بقامته، بحركاته، به كله. هو؟ ليس هو؟! كانت المفاجأة مزدوجة، اللقاء بحد ذاته، ولقاؤه هو بالذات، بعد أن غادرنا للأبد كما كان واضحا!!

 غادرنا؟!

 لكنه عاد. ها هو مجسم أمامي. حقيقة لا جدال فيها. نفس الحركات، والقامة ذاتها بالكرش المندفع للأمام. هل هو نوع من المستحيل ؟! من اللامنطق ؟! من الوهم ؟! ام هو حلم عابر ؟! نزوة طارئة ؟! شطحة ذهنية ؟!

لا أدرى ... غير ان ما يحدث مثبت بالرؤية، فهل أكذب نفسي ؟! أغالط عيني ؟! أنكر حواسي ؟! أتنازل عن يقيني ؟! أتخبط ؟! حيرتني نفسي وتراكم ذهولي، واشتدت هواجسي. احترت.

كان الوقت قبل الظهر. هذا اذكره تماماً. ولا أدرى ان كان لذلك قيمة ما. كنت عائدا من السوق ببعض أكياس الخضار والفواكه. على الاغلب كنت لوحدي، فما علق بذاكرتي لا يشملني الا انا وهو. انا في جهة ... وهو في جهة اخرى، وما يحيطني وما يحيطه، لم يعلق بذهني منه شيء، ظهر بلا سابق توقع. مفاجأتي به كانت تامة، استحوذت على حواسي، صعقتني. أربكتني. فجرت مئات التساؤلات في ذهني، دخلت لأعماق نفسي حائراً. ولم أستوعب الا حقيقة واحدة ... أنى أقف بمواجهته، أنا هنا وهو هناك ... انظر اليه بلهفة مأخوذاً من المفاجأة، أستعيد في ذهني صورته. بوجهه غير القابل للنسيان، بذكراه التي تثير الحسرة والشوق، والحنين الجارف لأيام مضت. هو بلا أدني شك، ملامحه نفس الملامح المطبوعة في ذاكرتي، وقفته ... حركاته ... كل شيء يطابق الأصل.

كنا وكان، كانت ايام وليال، وبقيت احداث لا تغيب عن البال ابداً، تتردد باستمرار، متوهجة كأنها حدثت أمس، لكنها عبقة خافقة حياة وحيوية، كأنه لا ماض يبعدنا عنها، أو يبعده عنا.

تواصلت حيرتي وتراكم عدم يقيني، وتهت بين مبتدأ الأشياء وخبرها، فقدت اتجاهي وانا قبالته، وربما فقدت القدرة على إدراك حالي. انفصلت عما يحيطني من اشياء. انظر اليه بين مصدق ومكذب لما اراه. هو نفسه !! اخيراً عاد ؟! كيف تمت عودته ؟! ومتى تحقق هذا الاعجاز؟ تتشابك وتتعثر الأسئلة. ها هو بوقفته المعتادة ... دافشاً كرشه الضخم امامه ... صدره منفوخ بعض الشيء بأبهة طيبة. قسماته هادئة لا تعبر عن شيء. حيرني اللا تعبير الواضح. ربما يفكر بأمر ما ؟! قلق من وحدته. وهو الذي اعتاد الجلسات الصاخبة ؟! او يكون مخبولا من طول الغياب ؟! ربما أثر فيه السكون الأزلي، وهو العاصفة التي لا تهدأ، المندفع بحيوية، متأجج العاطفة، المتألق دوماً بحديثة وأفكاره ومظهره ؟!

أحقا عاد ؟!

تناول شيئا وجلس، كانت أمامه كأس مترعة، وبعض صحون المازة. هذا مؤكد بالرؤية.

طويلاً نظرت اليه، متوقعا ان ينتبه لي، ان تفاجئه رؤيتي، فيسرع فرحا لملاقاتي ومعانقتي، بعد هذا الزمن الطويل ... بعد هذا الغياب الطويل.

او يكون ما اراه اضغاث احلام؟ اوهام عابرة؟ تخيلات عقيمة ؟؟

ابعدتنا الايام في اتجاهات لا تتلاقى، وها هي تجمعنا بلحظة مجنونة لا تفسير لها، لحظة مجردة من المنطق. عصية على الفهم. اكاد لا اصدق نظراتي. انظر اليه وقلبي يخفق بشدة. ربما توجسا من خداع الرؤية. او من سراب الم بي؟! وهم قريب من التجسد؟ ما بالي اخرف؟ هل اكذب نظراتي؟ اكذب يقيني؟ أنكر وعيي؟ لم نعد في عصر العجائب انما في عصر العقل، فأي عقل يستوعب ما ارى؟! اي عقل يفسر غرائب ما يحدث لي؟ اعترف أنى أقف في مواجهته عاجزا عن الفهم والتقدير مشلول القدرة عن تفسير ما انا به. أتخبط وأتوه وراء مشاعري. أخلط بين اليقين والوهم. ما هو اليقين عند الانسان؟ انها ذات الانسان نفسه، فهل اكذب نفسي؟ اكذب ذاتي؟ أنكر يقيني؟!

منذ متى لم اراه ؟!

منذ متى لم تجمعنا جلساتنا الممتدة حتى آخر الليل؟ ربما عقد كامل، اطول قليلا او اقل قليلا، ولكنه يبدو زمن طويل، شديد الطول. يهيأ لي انه اطول من حياة انسان. ربما بعمر عدة اجيال، فزخم ما عشناه، أكثر من ان تستوعبه حياة واحدة، واقول لنفسي: " ان ما يبعد بيننا لا شيء بمقياس عمر الزمن ". فلماذا لا تحركه رؤيتي كما تحركني رؤيته ؟! لا ينفعل ولا يبدو عليه التأثر، يستمر بالصمت والحركات التي تبدو محسوبة، وانا قبالته الوح له عبثا !

كان بيته منتدانا ومركز سمرنا، لا نفوت ليلة الا ونتجمع عنده ... بموعد او بلا موعد، كأمواج البحر، لا بد لها من شاطئ تصله. او نكون على اتفاق مسبق للقاء في بيت أحدنا. تجمعنا لا بد منه. صرنا نعيش يومنا من اجل اللقاء مساء. صارت اللقاءات محور حياتنا، ومهما تمضي السنون، ستبقى تلك الايام متجلية في ذهني، بزخمها وحيويتها، برونقها وحرارتها الانسانية، وكلما يبتعد بي الزمن، يشتد شوقي لتلك الايام. بفرحها الذي لا يعرف نهاية، بانطلاقتها التي لا يدركها الوهن.

كم اختلفنا واتفقنا، نتناقش، نتحاج، نصرخ. نصمت. نصر. نرخي. ثم نضرب كؤوسنا المترعة، بكؤوس بعض، ونشرب نخب تجمعنا وصحبتنا وصمتنا وسعادتنا.

اتعود تلك الايام ؟! ايعود ذلك الفرح ؟!

كان حجة في الحديث، يتقن الرواية. بل هو راويتنا بلا منازع. يخيل لي أنى لم التق بمتحدث – راو في مثل موهبته وقدرته على الحفظ، فهو مثقف واسع الثقافة والاطلاع، ومجتهد في استنتاجاته وتحليلاته، لا يستسلم امام ما يبدو لنا طلاسم، سريع الخاطر، باهر البديهة، مرهف الحس، له منطق لا يهزم بسهولة ويعرف كيف يسوق الحجج والبراهين والامثلة والسوابق.

ما باله ينظر نحوي ولا يحرك ساكنا؟! ربما لم يعرفني، مع أنى لم اتغير شكلا. أيجوز أنى لم انتبه لتراكم التغييرات الصغيرة والبطيئة. فانا يخيل لي احيانا أنى لم اتغير جسمانيا منذ ربع قرن، اما هو فلم يتغير فيه شيء كأنه لم يفارقنا الا لأمسية واحدة، ها هو امامي كما عرفته دائما. الوح له بيدي. ينظر باتجاهي. هل حقا ينظر باتجاهي ؟! ام ينظر الى لا شيء؟!

كان صوته جهوريا نقيا، تعلم في صغره – يوم كانت يافا مدينة عظيمة، يتدفق اسمها عبر الموانئ، لكل اصقاع الارض، كعلامة مميزة للبرتقال الجيد، وقبل ان تهب عليها العاصفة الهوجاء اللعينة – تعلم تجويد القرآن .... فحفظه وجوده بطلاقة، فكان يتحف جلساتنا بصوته الرخيم الجميل. مجودا ما تيسر له من آيات كرام، يسحرنا بجمال اللغة وقوة البيان، ونقاوة الصوت، فنتمنى ان لا تنتهي جلساتنا، رغم يقيننا المطلق، اننا على موعد بلقاء جديد متكرر ... فنوغل في الليل، او يوغل الليل فينا غير دارين من امر الزمن شيئا. مسحورين بجونا البديع، وبشملنا المجموع على مسامرته، موغلين بالسعادة بأنانيه متجردين عن كل ما يقلق راحتنا، وما ينهي هدوء بالنا، وما يخرجنا عن اطوارنا.

ما باله ينظر الي ولا يحرك ساكنا، اهتف باسمه بلا صوت، ارفع يدي بإشارة السلام، وعيناي تترصدان حركات وجهه، حركات يديه، اتجاهات نظراته.

في ليالينا وسهراتنا كان ينطلق احيانا ... مغنيا بعض ادوار عبد المطلب، او عبد الوهاب، او ام كلثوم مفسرا بأستاذية، الطبقات الصوتية واصولها. مشيرا للأبداع وقصور المغنين، في هذه الطبقة الصوتية او تلك، او نصمت مستمعين الى سيمفونية، وكأن على رؤوسنا الطير، وحقيقة تقال، انه يفهم بالموسيقى الكلاسيكية، كما يفهم بتجويد القرآن وبالموسيقى العربية، فهو يذكر عشرات الالحان الكلاسيكية ومؤلفيها وبعض مقاطعها، ومناسبة تأليف كل لحن، وتركيبته بحيث يجعلك تتلمس ادق الاحاسيس واجلى المشاعر، التي تتوهج بها المقطوعة الموسيقية المعينة، مما يسهل فهمنا لهذا اللون الذي كان، حقيقة ... بعيداً عن جونا وميولنا وثقافتنا، وكان " البوليرو " لرافل، و "الدانوب الازرق " ليوهان شتراوس، هما اللحنان اللذان لا ينفك يصفرهما خلال نهاره ، متلذذا ، غارقا في نفسه وعمله .

كان يعطينا من اعماقه، نافذة اوسع لعالمنا، وشمولية شاسعة للفنون والثقافات، لا تزال متجلية في نفسي ونفوس بقية الاصحاب.

كان يعشق الادب بحديثه وقديمه، ويحفظ مقاطع مختارة ونوادر طريفة .. له ذاكرة ممتازة، وكثيرا ما اعاد على مسامعنا مقاطع لا يزال يحفظها منذ ايام شبابه المبكر. ويحفظ نوادر الادب القديم ويعرف كيف يرويها، جاليا بأسلوبه الفذ، أجمل معانيها، فيبهرنا ويفتح اعيننا على كنوز لا حصر لها.

وماذا لا اذكر عنه ؟! ولكنه يصدمني بنظراته التي لا معنى لها! يراني؟! بلا أدنى شك!! يعرفني؟! الوح له بيدي مرات متكررة، يثيرني ويقلقني بصمته وانطوائه غير المفهومين. اردت ان اصيح به " انا هنا " ولكن نظراته الباردة الموجهة نحوي اصمتتني.

ما الذي اعاده ان لم يكن حنينه الجارف للأصحاب ولأحلى الاوقات ؟!

اتذكر نهمه وحبه للطعام، وتفننه في تحضيره. والحق يقال انه سيد المطبخ بلا منازع ... فاذا وضع يده على شيء. يجعله يؤكل حلالا، وهذه مسألة لا نقاش حولها، بحكم كوني أحب الطعام مثله، ولكنني أعجز عن مجاراته في الكميات، وكثيرا ما قال لي بحماس وتأكيد:

- انت احسنهم، كل !!

ويقول لبقية الاصحاب:

- الطعام متعه يا كارهي المتع . تعلموا منه ومدوا ايديكم. انا أكره الذي لا يأكل.

اما اسوأ صفاته فهي صفة الافراط في الشرب. لا يعرف لشربه حدودا، وكل الاوقات مناسبة لديه للشرب. لا فرق بين صباح ومساء، احيانا يجعلك تشعر انه لا يشرب بهدف الترفيه والمتعة والمسامرة، وانما لان هناك عدوا ينتقم منه. كيف ؟! لا أدرى !! نحاول بألاف الحجج ان نضع حدا لافراطه فيغلبنا ويجعلنا نفرط مثله، وها هو يعود وحنينه للكأس اقوى من كل حنين. يشرب ولا ينتبه لي او انتبه ولم يعرفني. ربما يدندن لنفسه بلحن ما، ها هو يرفع الكاس لشفتيه. يشم الخمرة مستمتعا قبل ان يرشفها.

لم نكن نستطيع ان نجاريه بالكميات التي يشربها، فهو إذا ما يسيطر دافع الشرب عليه، ومتى لم يسيطر؟! يشرب كل ما تطوله يده من اصناف الخمرة. بأبيضها وأحمرها !!

كان بيته منتدانا كما قلت. وكان اخا لنا، صديقا، وحبيبا، سنديانة ضاربة جذورها عميقا في قلوبنا، لا بد لنا من المرور به يوميا. نتجمع بأغراضنا، ونمد الطاولة، بكل المجازات التي تخطر على بال، بل بكل ما يصلح للأكل!

كان اخوه، شريكه الوحيد في بيته، صيادا هاويا، يصيد ولا يأكل، يمارس الصيد كنوع من الرياضة كما يبدو فكان يزودنا بكميات كبيرة من السمك، كنا ننظف احيانا فرشا كاملا ... وكان صاحبنا يتحفنا بمعرفته لكل انواع السمك، وكيف لا، وهو ابن بحر يافا ؟! وبسببه، اكتشفت ان الذ مأكولات الارض واطيبها هو السمك بلا منازع !!

بدأ اليأس يعتريني من تجاهله لي. احترت واشتدت حيرتي، وبدأت اشعر بثقل الوقت. ضايقني وضعي، واقفا قبالته كالأبله مصعوقا من ظهوره ... وهو ينظر الي ببرود او ربما لا ينظر الي ؟!

كانت جماعتنا تضم تشكيلة من الاصدقاء مختلفي الاتجاهات والميول. فالهندسي والأكاديمي والدهان والاديب المحترف وشاعر العامية والمغني وانا العب دلله.

وبالطبع صديقنا ... سنديانينا.

كان الوقت يمر ثقيلا كئيبا وانا أقف في مواجهة نظراته عله يعرفني، كنت متحمسا لمعانقته، يشدني الشوق لجلساته وأحاديثه وموسيقاه.

يراني؟ ...

لا يراني ...؟

لست أدرى !!

كنت وما زال مصعوقا من رؤيته. ظهوره قلب كل مفاهيمي. هز روتين حياتي. فيقيني انه لن يعود تلاشى بلحظات، وايماني غير المفهوم الان، بأن من يذهب لا يعود، يتبدد !!

كان الموقف يزداد تشابكا بين المنطق السليم وحقيقة ما يجري. بكيناه يوم ودعناه، وأيقنا ان أجمل ايام العمر انتهت بوداعه، وتحولت جلساتنا الى واجب ممل بعده، كآبة وانتظار لفرج لا يأتي، ثم بدأنا بالتفرق والتشرذم وأبقى الواحد بالكاد على علاقة بشخص اخر ... وتحولت صداقتنا الى رصيد غير مستعمل ... نلتقي بحرارة لتبادل تحيات عابرة. ويمضي كل في سبيله. صحيح ان ذكراه بقيت في اذهاننا، في وجداننا، في حرارة اللقاء بيننا، ولكنها ذكرى لشيء جميل غادرنا. تلاشى من حياتنا. فقدناه. هل حقا فقدناه ؟! ذهب ولن يعود ؟! ووجهه المطبوع في ذهني؟ وقامته المعروفة والمشهورة بكرشه المدفوع للأمام ؟! ووقفته، نفس الوقفة التي يتجلى فيها الان ... والكاس بيد والسيجارة " الجيتان " باليد الاخرى.

كان يقول مشيرا الى سيجارته:

- هذه حارة تماما كما لو انها غجرية بالفعل !! (جيتان تعني غجرية).

حتى سيجارته تؤكد انه هو نفسه. لماذا يصمت هذا الصمت في مواجهتي ؟! ويبدو غارقا بنفسه بذهول غير مفهوم ؟!

يراني ؟!

ربما يراني، ولكنه لا يحرك ساكنا.

ترى هل استبد به السكر؟ ربما يشرب منذ زمن ؟!

آه يا صاحبي القديم ... لا بد من شيء غير عادي في الموضوع. انت نفسك ولست انت. وجهك البادئ بالترهل. ولكنه غريب بلا حيويتك. أهي الخمر ؟! ولكن السكر لم ينسك اصحابك مرة. كنا نحن عائلتك ودنياك ... لا تطيب لك الحياة بدونا، ولا تطيب لنا الحياة بدنك.

اشرت له بيدي شاعرا بكابوس يأس وضيق، اردت ان اناديه .. ان أعلن عن نفسي بطريقة حاسمة، ولكنه لاه عني بكأسه وسيجارته، وببعض المكسرات المالحة امامه.

صامت. مدد من الصمت يحيطه. ربما يفكر. يحزنه ما يراه بعد هذه الغيبة الطويلة. بحث عن صحبه فلم يجد منهم احدا حوله. وهو الذي اعتاد ان لا يجلس بلا صاحب.

يبدو كئيبا شديد الكآبة، لدرجة تشغله كآبته عما حوله. شدة صمته وجموده تجعله يبدو كلوحة مؤطرة ... رغم انه يتحرك. اللوحة الجيدة ايضا ملأي بالحيوية والحركة، ولكنه يتحرك بلا حيوية، يؤلمني ما به. يرفع كأسه لشفتيه. يقبل الكأس؟... يبلع بلعة ... يأخذ نفسا عميقا من غجريته. ويطلق الدخان بتلذذ وبطء، ثم يلتقط بضع حبات من المكسرات ويلتهمها ... نفس الرغبة بالأكل والتلذذ به. اما حيويته فمفقودة. لا اراها. لا المسها. يبدو غريبا بدونها ...!! رغبته الجلية بالأكل والتلذذ به جعلتني ازداد انتباها له تيقنا منه. وازدادت رغبتي لإثارة انتباهه لي.

اعتراني حماس شديد وانا اتخيل نفسي أخبر الاصدقاء بالمفاجأة. مفاجأة ظهوره المذهلة. عودته مخالفا كل منطق.

وما يهمني المنطق امام الحقيقة المتجلية؟

سأرفع تلفونا لكل الاصحاب. افاجئهم وأبشرهم بعودة سنديانينا.

- الو ... سهيل ... لقد عاد ... اليوم رأيته ... اقسم أنى رأيته.

سيفاجأ اولا بصوتي ونبرتي. لن يفهم ما اعنيه والا ذهبت حلاوة المفاجأة. وتقريبا اتوقع جوابه:

- نبيل ماذا جرى لك ؟! منذ فترة طويلة لم ارك، وتتصل لتقول لي كلاما غير مفهوم ؟!

- حازم ... حازم بلحمه ودمه. اليوم رأيته. التقيته فجأة. شيء لا يصدق. لا تسألني. اترك المنطق جانبا. اتكلم عن رؤية بأم العين. لا تصدق؟ أنا ايضا لا اصدق. نلتقي عنده مساء !!

واقفل السماعة، ليصعق بالخبر والمفاجأة. لن يصدق حتى حازم بعينية. تماما كما اراه امامي. ليهرش ذقنه مفكرا حائرا. ليتحرك عن مقعده باحثا عن صاحبنا. لينقل الخبر لكل الاحباب والمعارف ...

- الو ... فوزي ؟!

وكالعادة ترد زوجته ...

- من يريده ؟!

- انت سكرتيرته ... منذ متى لديه سكرتيرة ...؟!

- نبيل ؟!

- نفسه .. يا خبيرة بالأصوات. أين فوزي ؟! سلامات يا اسمر يا عربيد، لماذا لا ترد على التلفون بنفسك ... عندي خبر مفاجأة ... اصمت واسمعني للأخر، اليوم التقيته صدفة. وجدته امامي. كان يشرب كاسا عند منصور !! ... عرفت من ؟! ... يدخن سيجارة جيتان ... بتلذذ وكأنه بوصال مع غجرية حقيقية. لا تصدق ؟! انا رايته ولم اصدق. اسمع بلا مقاطعه ... اترك المنطق برعاية زوجتك. هل عودك جاهز ؟! مساء نلتقي عنده !!

واقفل السماعة !! واتصل مع الاخرين:

- جميل ؟ ... سلامات. سيمون؟ اين وصلت مع صاحبك النواب ؟!

وانشر المفاجأة عليهم. اجعلهم يطيرون من الفرح. عادت ايام زمان. الايام التي لا تنسى. ايام الفرح. والسمر حتى الفجر. لن تتبدد ليالينا امام التلفزيون ومقارعة الاولاد، عودته أجمل من الحلم.

هل حقا عاد ؟!

هل يعود من يغادرنا؟

كنت لا ازال اتحرك امامه محاولا لفت انتباهه. ينظر لجهتي ولأمر غير مفهوم لا يحرك ساكنا.

ربما لا يراني ؟!

يثيرني ببرودته غير المتوقعة؟ يربكني بتجاهله غير المفهوم.

أيجوز انه ليس هو ؟!

اكاد أفقد ثقتي بنفسي. ما يعتري هذا الرجل؟ هل عاد جسدا بلا روح ؟! فقد ذاكرته؟ فقد صلته بماضيه؟ نسي ما يربطه بالأصحاب؟ تلاشت ذاكرته؟ أمّحي الماضي من ذهنه ؟!

مذهلة الافكار التي تراودني عنه. شعرت ببعض الخوف من استمرار تدفقها وغرابتها. نفضتها من ذهني ثم ناديته كمن افاق من غفلته:

- حازم ..

ينظر الي فيقشعر جسدي وتنقبض نفسي انقباضا مؤلما. يتأملني بهدوء غريب وعميق كمن يحاول ان يتذكر شيئا ... فاشعر بحرارة اشد من حرارة النار تصليني. يغرقني العرق والضيق. يعود الى كأسه بتلقائية دون ان تسبب رؤيته لي لأي رد فعل عنده. يواصل سحب الانفاس من " الجيتان " ورشف الخمر والتلذذ بالمكسرات المالحة. ينتقل جسدي من الحرارة الشديدة الى برودة كبرودة الماء المثلج.

يعذبني تجاهله لي. ماذا اقول للأصحاب؟ هل كتب على شملنا الا يتجمع ثانية ؟! ان يمتد الفراق ويغيب اللقاء ؟! تتلاشى السعادة وينتهي الفرح ؟! يتضاءل الامل ؟! يسود خريف ؟!

نشتهي الربيع وتفرع احلامنا من الامنيات؟ تزاحمت استفساراتي وتوالت تعجباتي. سعيت وراء مجهول يهبني الهدوء. ظهور غريب امامي. هل انا في زمن غير زمني ؟! في مكان غير مكاني ؟! في عالم غير عالمي ؟! اومأت اليه يائسا. واصل صمته ورشف الخمرة من كأسه. شعرت أنى أطلت الوقوف في الشارع ناسيا نفسي، غير منتبه لنظرات الناس المارين حولي. ربما يقولون اصابه الهوس فجأة ؟! لطف الله حل عليه ؟!

هل اتقدم وأخبره بحقيقتي؟ انشط ذكرياته؟ هل اكشف اللثام عن بعض ما يجمع بيننا؟ انزع الحجب عن ايامنا وليالينا؟ افتح ابواب الماضي ... وأطلق ذاكرته من سبوتها ؟!

اردت ان انطلق نحوه واعانقه عنوة. ولكن برودة رد فعله غير المتوقعة على ندائي اوقفتني. اثقلت لساني واضاعت مني الكلام، وانزلت على الصمت.

مضت برهة ثقيلة وانا اتنقل بين الحر الشديد والبرودة القاسية. وفجأة اتقدت فكرة في ذهني فخف حملي.

تقدمت نحوه بوجل ما. تخلصت من اكياس الخضار والفواكه قرب المدخل ووقفت قبالته مستنفرا كل حماسي مجندا كل حواسي، وموقظا كل افكاري، متحضرا لمرافعتي. واجهته وقلت بهدوء وانبهاري باد متجل:

- حازم ؟... متى عدت ؟!

- اشتقت فجئت ؟!

اجاب ببرودة حيرتني. فأصررت:

- متى ؟!

- منذ اشتقت !!

لا يبدو عليه شوق لشيء سوى كأسه. واصل اتكاءه، غير أنى لمست اتساع حدقتيه وهو ينظر الي فاستبشرت خيرا، رغم بلادة اجاباته وعدم وضوحها وغموض احاسيسه.

- اشتقنا لك يا حازم .. الواقع ان مجيئك غير متوقع. نوع من المستحيل. شيء لا تفسير له. لو أيقنا أنك عائد لسعينا لا عادتك ... الى لقائك.

يبتسم ابتسامة صغيرة لا تعبر عن فرح ولا عن يقظة. مع ذلك كانت كافية لإثارة حماسي وأملي ويقيني بقرب ذوبان الجليد بيننا. كأنه يخبرني بابتسامته عما في قلبه. وعلى نقيض ذلك، كنت كلما ازددت تأملا في حقائق ما يجري تفيض حيرتي أكثر.

هل حقا غادرنا ام أنى واهم ؟!

ربما انا من فقد ذاكرته وها هي تعود لي؟ ربما هو لا يتوقع عجيبة تعيد ذاكرتي ؟! ماذا يحدث لي ؟! وما هذا الذي يخطر على بالي ؟! واين تغيب الحقيقة ؟! ولماذا يتأملني بهذا الشكل ؟! ها هو يحرك شفتيه ... ترى ماذا يريد ان يقول ؟!

- هل تعرفني ؟!

ما هذا السؤال ؟! بل ما هذه الورطة ؟! يفحصني ؟! سأل بهدوء وبكلام قاطع لا يتفوه به الا ذوو المعرفة القاطعة. شعرت برأسي ينقطع عن جذره، بأفكاري تعوم حائرة مترددة، وبخواطري تتلاشى.

اجبت وكنت كمن يتعربش خشبة نجاة في بحر لجوج:

- اعرفك ؟! وكيف لا اعرف حازم ؟! لم يكن لي صديق عزيز على نفسي مثلك !!

- انا لا اتذكرك !!

نفس اللهجة الواثقة القاطعة التي لا يتفوه بها الا ذوو المعرفة القاطعة ... ومع ذلك لمست، او هذا ما اردت ان أشعر به، بانه لم يوصد الباب بعد. ومع ذلك آلمني جوابه.

اندفعت لذهني بلا ترتيب ذكريات متشابكة من الزمن الماضي. حاصرتني الذكريات ولم تترك لي منفذا. انكمشت وانخرست لحين غارقا بكابوس شديد.

اصفاد ثقيلة تقيد فكري وتحول دون تذكر ما كان بيننا.

اصررت على العودة لذاكرتي للتأكد من حقيقة افكاري وتوضيحها. كنت كمن يصعد جبلا بالغ الارتفاع وعلى كاهله حمل ثقيل ... ما ان يبلغ بحمله قمة الجبل، حتى يهوى حمله للقاع ... فيعود ليسحب حمله صاعدا مرة اخرى. انها مأساة سيزيف، تتكرر بأسلوب عصري، دون تدخل الالهة واحكامها الغريبة.

عدت افحص يقيني. افحص نفسي. افحص وضعي، ربما وهما عابرا يعتريني؟ خلل بالرؤية؟ خيال جامح يشق طريقه متجاوزا منطق الاشياء واصولها.

أتأمله وهو لا يحرك ساكنا. لا يضايقه وقوفي امامه وتحديقي به ...

 

**********

كان يسافر للعمل معي يوميا، كنت امر عليه في بيته في الصباح الباكر، وكثيرا ما ايقظته ودخلت مطبخه اعد فنجاني قهوة منتظرا ان يرتدي ملابسه. نشرب قهوتنا ونسافر للعمل. كان المسافر الوحيد معي، وبسببه لم التزم بنقل عمال اخرين، محافظا على علاقات خاصة وتفاهم تام ولغة مشتركة جمعتنا، وصداقة مميزة شدتنا بحبالها فلم نفترق.

مساء وبعد انتهاء العمل ... لا بد من شرب عدة زجاجات بيرة اثناء العودة، فالمسافة على حد تعبيره تستغرق ساعة سياقة كاملة مما يشكل تبذيرا للزمن لا بد من تغطيته بشيء يشرب او يؤكل، ودائما يؤكد بخطابيه يتقنها وبمرح ظاهر:

- كلما شربت اكثر يزداد ظمأي .. هل تعرف من هو اشعر الشعراء ؟! انه صاحبي ابو نواس. هو الوحيد الذي يفهمني كما فهمته، مع ان زمني غير زمنه. علماء اللغة والادب لن يفهموا تجليه وعليائه إذا لم يمارسوا الشرب ويدمنوا عليه. الشرب يا صاحبي هو زهرة الحياة، هو الفردوس. الم يعد سبحانه وتعالى الصالحين بأنهار من الخمر والعسل! فما البأس علينا إذا لم نصبر ؟! نحن هنا كفئران التجارب ... شربنا وسعادتنا وانبساطنا هو النموذج والمثال الذي ينتظر الصالحين. فليهنأوا بما كتب لهم ولترتو اعينهم بما ينتظرهم. فلهم الانهار اما نحن فلنا بعض الزجاجات والمدللة .... هو الوهاب. فقط ابو النواس يفهمني ... وانا افهمه. وداوني بالتي كانت هي الداء. والدواء من داء الخمر هي انهار الخمر، فهل يطولنا نصيب فيها ؟!

كنت أصل للبيت جائعا، وكثيرا ما دعوته للعشاء معي، او دعاني للعشاء عنده. وعلى اي حال لا بد من اللقاء بعد العشاء لتوديع يومنا ببضع كؤوس من الخمر. حتى تملكتني عادة الشرب اليومية. غير أنى لم أفرط بالشرب مثله. كنت أقف على الشاطئ بالا قدمي، وكان صاحبي يغوص في اعماق البحر ظمآنا لا يعرف الارتواء، جذلا سعيدا كالأطفال، ثم يطلق عقيرته بالغناء، او بما تيسر له من سور كرام. فيتجلى في صوته وابداعه !! فما باله لا يتذكرني ؟! ربما يتجاهلني ؟! ربما. ؟! ألف سبب وسبب ؟!

- لا تتذكرني حقا ؟! ألم نعمل سوية لمدة سنتين في مكان عمل واحد ؟! الم تسافر معي يوميا ؟! وامسياتنا وسهراتنا ؟! والليالي التي قضيناها متسامرين حتى الفجر، فربطنا ليلنا بنهارنا دون ان نعرف للتعب معنى وللارتواء طريقا ؟!

- صح صح .. الان اتذكر. لم اعرفك في البداية...!

قال خارجا من هدوئه، تاركا لابتسامته ان تشع أكثر.

تيقظت احاسيسي ونفضت عني الكآبة ودبت الدماء في عروقي من جديد. ومع هذا بقيت وجلا. فكلامه خال من الحرارة. كلمات تنطلق من جهاز تسجيل على شكل انسان. لا يبدو انه يعيرني اهتماما، او يلقاني بحرارة صداقة طويلة. تصرفاته تتناقض مع اندفاعه وحميته بلقاء الاصدقاء. ربما ليس هو ؟! كل الظواهر البارزة تؤكد انه هو. اتكون المشكلة في نفسي ؟! هل هو يسايرني ؟! تراه يشك بعقلي ؟! ام يجرب قوة اعصابي ويقيني ؟! ظهوره فاجأني. صعقني. ظهر مخترقا حدود المنطق. متجاوزا للأدراك العقلي. ولكني صاح ويقظ وافكاري مستقرة رغم ظهوره الغريب. لم أفقد قدرتي على التفكير بترو. لم تعم افكاري في بحار هوجاء. ولم تتخبط امام ظهوره المذهل، ولم تنحدر قدرتي على التمييز والملاحظة. انه حازم !! ما باله يحطم نسوتي بلقائه؟ وما هو الغريب فيما يحدث معي ؟!اليس ما يلم بي حالة غريبة تتناقض مع منطق الحياة ؟!

بدأت الحيرة تنتابني من جديد وبشدة أكبر. بدأت اشك جديا بما يجري معي. الى ذهني تتصاعد اسئلة متكررة تتقاذفني بين الكآبة والانفراج. بين فرح اللقاء وبرودة الاستقبال. اين تلاشت ايامنا المتوهجة بالسرور وليالينا المترحة بالنشوة ؟!

هل هو حلم يعتريني في صحوتي ؟! كيف وكل الامور واضحة جلية ؟! هذا انا، هذه اكياس الخضار، هذا شارع البنك، هنا مقهى منصور بوجوه زبائنه الذين لا يتغيرون، وهذا حازم بكرشه المندفعة للأمام وبوجهه الممتلئ. بقامته المربوعة. بأناقته في اللباس، وبالعطور التي تفوح منه. بخطيبته. بصوته. بسيجارته " الجيتان "، فكيف لا اعرفه ؟! كيف وبيننا زمالة عمل، وصداقة شخصية عميقة لم يهزها الزمن تمتد على مساحة عقد كامل من السنين ؟! الم نكن نلتقي لمدة تزيد عن خمس عشرة ساعة يوميا بين العمل وجلسات السمر ؟!

مضت لحظة التقطت فيها انفاسي. طفوت الى اعلى عليين. ثبت يقيني وترسخ، ورأيت الصورة بكمالها العجيب، متجاوزة لأبسط قواعد المنطق.

ذكرته بأسماء الاصدقاء، وسألته ان كان يذكر ايامنا الحلوة. حاولت التأكد ان كان يدرك فعلا ما كان بيننا. فبدت حالي كممتحن لا يعرف أكثر مما يعرفه تلميذه. تذكر الجميع ونسيني وانا الاساس، فوثب على حزن عابر وحيرة شاملة، فصمت التقط انفاسي مزمعا على الخروج والذهاب في طريقي. غير انه ضحك وطلب لي كأسا، واشار لي بالجلوس على مقعد مرتفع قبالته. تأثرت من دعوته. همهم بكلمات لم افهمها، ثم اشار لأكياس الخضار، وسألني ان كان معي بعض الفاكهة؟ اسرعت واحضرت تفاحتين، وحبتي خوخ وبعض المشمش. فأبدى حماسا زائدا، وقال سعيدا واساريره تنفرج:

- التفاح ملك الفواكه !!

واضاف:

- لم آكل منذ زمن طويل ... منذ غادرت.

حسبت فترة غيابه في ذهني وأجبت مذهولا:

- مستحيل ... ثماني سنين بلا طعام ؟!

- وبلا فاكهة !!

حيرني كلامه فأثرت الصمت، متوقعا ان يكون قد حدث لعقل الرجل شيئا. ولكنه يبدو رزينا كما عهدته، هادئا كما عرفته، فما باله يروي لي قصصا لا تخطر على بال ؟!

سألته بنوع من الاستسلام امام ظاهرته الغريبة منذ البداية:

- وهل كنت تشرب الماء ...؟!

لم يرد على سؤالي بقصد او بغير قصد، لا أدرى !!

الوقت الذي جمعنا ووهبنا السعادة هو الذي فرق بيننا واغرقنا بالحزن، وهو الذي يجمع بيننا اليوم بشكل لم أجد له تفسيرا معقولا حتى يؤول الزمن الى انتهاء.

رفع كأسه:

- بصحتك ...

دعاني للشرب سعيدا

- بصحتك ...

اجبت متوجسا من سعادته او من حقيقة ما انا فيه، مؤكدا لنفسي خلو ما يعتريني من الاحلام. وبقي غموض شديد يتحصن في ذهني، أعجز عن الولوج اليه وفهم محتواه، فقبلت بالأمر الواقع، وانا على يقين انه سرعان ما يعود الى طبيعته التي اعرفها. وقلت لنفسي: " لعله اشتاق لكأس خمر فجاء يشربها ويعود من حيث اتى ؟! "

ساد صمت حار بيننا. وتسربت لأنفي روائح الريحان الذي ينمو بكثرة فوق القبور التي تقع مقابل مقهى منصور، حيت فاجأني لقاؤه. فاعتراني خوف وقلق شديدان، ولم أدر ما الدافع لهذا الربط بين الريحان والقبور. بحثت عن صورة او فكرة اهرب منها مما يعتري ذهني من افكار غريبة. استعصى الموقف على فاذا بالكرب يجتاحني اجتياحا. ما لي اخوض الطرق الوعرة معذبا نفسي ومرهقا فكري ؟! لأقبل بما هو واضح جلي، فلحظات السعادة قد لا تعود.

افرغت بعصبية نصف الخمر في جوفي، وتجلدت متحملا حدتها، فخف كربي ونشط فكري ولمعت بذهني صور عدة وذكريات متلاحقة. فسالت كمن افاق من غفلته:

- هل تذكر أمينة يا حازم ؟!

- آه ... زوجتي !!

رغم مفاجأتي له بالسؤال الا ان جوابه جاء تلقائيا وبشكل عادي.

- ولكنكما لم تتزوجا ؟!!

- أمينة كانت دائما زوجتي .

يقينه هز ثقتي بنفسي وجعلني اتساءل بيني وبين نفسي: " ما بال الانسان يتجاهل ويتعامى ويدعي ما لم يحصل. ويفضل الظلام على النور والغموض على الوضوح ؟! " .

عدت اساله غير قادر على اخفاء استهجاني وحيرتي من المفارقات الغريبة التي تحدث معي:

- أمينة نفسها ؟... اليافوية ابنة التركي ؟!

- أجل زوجتي ... دائما كانت زوجتي !!

اختلطت حواسي بشكل يصعب فصله، واحترت في معرفة حقيقة مشاعره وحقيقة نفسه.

ربما هو حقا انسان آخر يحمل نفس الصفات ونفس الشكل ونفس الميول ؟! كيف أتأكد من حقيقته ؟! ربما يهذي وقد عاد مصابا بالمس ؟! او تهيأ له اشياء غير واقعية ؟! يخلط بين ميوله ورغباته، وبين واقع الاشياء وتطور الاحداث ؟!

أين أنت من أمينة يا حازم ؟!

هل انت حازم حقا ؟! حازم المتجلي دوما ؟! الفطن ؟! المستقصي عن الحقائق من صميم الغموض ؟! الحذر في تقييماته ؟! المباغت في وضوح افكاره ؟! هل انت حازم حقا ؟!

الوجه وجهك رغم الشحوب البارز. القامة قامتك، والكرش المندفع للأمام كرشك. والصوت صوتك. نفس اسلوب التنفس واللهاث. دائما ينقصك شيء من الاكسجين. ربما يعتريه ذعر غير مفهوم ؟! هل حقا كانت نهاية لا بداية بعدها ؟! نصلٌ غاص للأعماق فقطع سبل الافكار والآمال والاحلام. فاقعى الأسد عاجزا عن الحركة، وتجمدت العاصفة فانتهت الرسالة وانتهى الانسان وتجلى العدم ؟!

حقا اقول ان نظراتك لا تعجبني. فيها كل شيء غير مفهوم، اخاف ان اقول غير بشري، نظرات انسان من عالم متجمد. ارتشفت نصف الخمرة المتبقية بالكأس عل نارها تحرق قهري من حقيقة ما يجري وغموض ما يعتريني وعذاب ما يعصف بي.

ماذا اقول للأصحاب ؟!

كيف أخبرهم بعودتك ؟!

اقول لهم عاد حازم الذي نحبه ولكنه مختلف عن حازم الذي نعرفه ؟! ام اقول عاد حازم الذي نعرفه ولكنه مختلف عن حازم الذي نحبه ؟!

لأول مرة اشعر بالندم من لقائي به. اخاف ان تتشوه صورته والذكريات التي احملها عنه. ليتني لم القاك.

هل اتجاهلك وامشي ؟!

همي الان ان اتخلص من شرب ما في الكأس لأغادر مهزوما مبهدلا. أشعر بالألم حتى الأعماق.

أقول لنفسي: " هذا هو الفراق حقا "!!

كأني بمركب بلا شراع ولا دفة، يتأرجح مع الامواج، يعلو وينخفض بعنف. وتدفعه الامواج بلا اتجاه. ينشد من عليه النجاة، لكن لا قبطان يضبط سيره، ولا يابسة تلوح مبشرة بأمل الوصول للبر، ولا حمامة مع غصن زيتون !!

- اشرب !!

يحثني كعادته مما يثلج صدري بعض الشيء. ربما البعد المتواصل يجعله حذرا في الانطلاق على سجيته مع اصحابه القدامى. او يكون نام نوما طويلا يجعله كالمخبول، متراخي العاطفة والمشاعر، متجلد الحواس بعيدا عن التواصل، لا يعي ذهابه ولا ايابه، خالي الفكر، متلاشي الذهن، ماضيه راقد في نفسه، وحاضره خالي الملامح.

كانت أمينة خطيبته، يوم كان شابا يافعا، يقيم مع والديه في مدينته يافا، التي يذكرها دوما بحماس خاص، فارتبطت يافا بأسرار حبه وارتبط بيافا، فكمل الواحد الاخر. وكان نهار وكان مساء، وتكون زمن الوجد وامتد ليتصل مع البحر، يتسع به. يكبر بكبره. فتجلى برفقة حبيبته ومدينة حبيبته. وبحر حبيبته. فعاش في دهشة الحب المتكررة. حتى جاءت العاصفة الهوجاء فاقتلعت الناس وعصفت بهم دون حساب للارتباطات والعواطف والآمال والاحلام ... فحل زمن السفر الدائم والشوق الهائم. وظل كل شيء يدور بلا استقرار. وجرد الناس من الآمال والأحلام والامنيات. وحل شقاء بلا شطآن وتشتتت الجذور !!

وانفصل الحبيب عن حبيبته. وانفصل الانسان عن ملاعب صباه. وتاه في عالم غريب. يحاول ان يجدد ما كان. فيرفضه المكان الغريب. يبحث عن تجديد ما انقطع فتصده حقائق عصية عن الفهم. تلاشى النور وانتشر التأوه ... تلاشى الحب وانتشر القهر. تلاشى الانسان من الانسان. صارت الحياة قرينة الموت.

وكان صباح ...

وكان خريف ...

وكان شتاء ...

وكان صيف ...

وافتقد الربيع ...

ومضى الزمن ...!!

مضى بطيئا عسيرا مليئا بالقلق. وكان لسان حازم يقول:

- الفرج يا مالك الجنة. الفرج يا واهب الراحة وموزع الحب ومهندس الاماني. أنقذنا من هذا الطريق الغريب. خلصنا من هذه الحياة الاليمة. ما بالك تتجاهل وتعمى عن رؤية الظلم؟ هبنا شيئا من حقنا يا وهاب. اشفعوا لنا يا انبياءنا واولياءنا. اشفعوا لنا يا اهل الجنة الكرام. أنقذونا من الفراق العسير والضياع الاليم. اعطونا ضوء نشد السير نحوه. حلما نشق الدرب اليه. وهما نتعلق به.

بعد ضياع وتنقل وصل حازم ووالداه واخوته لمدينة الناصرة، فاستقروا فيها.

وغرق الناس بمآسيهم ومشاكلهم. كل يبحث عن جذوره، وما تبقى من أهله. أين اوصلتهم العاصفة. هل ما زالوا احياء. من مات منهم. من نجى. أين استقر بهم المقام. كيف يتدبرون. بمحاولة اولى لالتقاط الانفاس ...

يومها لم اعرف حازما.

كنت طفلا وكان شابا يافعا.

يوم عرفته لم يكن قد تزوج أمينة.

ويوم غادرنا لم يكن قد تزوج أمينة.

ومن يومها لم يعد.

وأمينة ايضا أصبحت ذكرى.

ويافا التي شهدت توهج الحب بين القلبين الشابين لم تعد يافا التي تحتضن اهلها.

اصبحت غريبة. مغتصبة. لا تجد من يداوى جراح روحها.

فمتى تزوجها اذن ؟!

سألته وانا ادق كأسي بكأسه:

- بصحتك !.. متى تزوجت أمينة ؟!

- منذ التقيتها !!

لعله يبصر ما لا أبصر. حدقت بوجهه طويلا فاستسلم لنظراتي المتفحصة دون اعتراض، بل ودون أدني اهتمام.

سألته بشيء من العبث:

- وعندك اولاد منها ؟!

- لا ادري اسالها !!

ايقنت ان حالي كحال الذي يخوض غمرات جهاد ضعيف الامل. هل هو في سبات ؟! صاحي الجسد نائم العقل ؟! ربما انفصام شديد في شخصيته ؟! كنت انظر اليه بحواسي كلها شاعرا بلغزه يكبر ويتفرع، وبشجوني تترسب. انه ابعد عني أكثر مما ظننت. بحثت عن مدخل لذاكرته علني اوقظها من سباتها الممتد.

ما زلت محتارا من ظهوره واقول لنفسي " ربما ظهر بلا ذاكرة "؟ فارفض الفكرة فورا. اشعر أنى عائم بأفكاري، غير متمكن من ضبطها. ربما انا الذي صرت نوعا جديدا ؟! تغيرت لدرجة لم اعد اعرف نفسي. ولم أعد أعرف اصحابي ؟!

كان قبالتي ينفخ دخان سجائره باستمتاع. يحيرني هدوؤه وصمته، ويبعث في قلبي توجسا غير مدرك !!

 

********

 

في سنوات السبعين تعرفت عليه. كنت في بداية العقد الثالث من عمري وكان في نهاية العقد الرابع.

جمعتنا صدفة عند حلاق. كان يشرب كأس خمر. انيق المظهر كعادته مرتب الهندام حلو الحديث.

بدا لي للوهلة الاولى مختارا او ثريا من اصحاب الاراضي والاملاك ... وليس بحاجة لعمل من اجل معيشته. كل ما هنالك انه يتلذذ بكؤوس الخمر، وبالأحاديث الشيقة. أو ربما مخفيا اوجاع نفسه من فقدان حبيبته لا يجعل صحبه يدركون ما يراود فكره. ولا ما يجول بخاطره.

فوجئت انه يبحث عن عمل بالحدادة. سألته غير مصدق ما سمعته اذناي:

- انت حداد ؟!

فأكد لي ذلك. وصادق الحلاق على قوله. وها هو حديثه المهني ومعرفته المهنية كما يشرحها لي، لا غبار عليها. وتبدو معرفته النظرية والعملية واضحة، لا يلم بها الا عامل واسع الاطلاع وجيد الخبرة. كنت مديرا لجودة الانتاج في أحد المصانع الكبيرة في الجليل. رتبت له عملا في المصنع. فجمعتنا الزمالة اولا، ثم تلاقت الافكار والميول، فزالت حواجز التوجس بيننا وتعززت الثقة المتبادلة، فسحرني بسعة اطلاعه وثقافته الواسعة. وقدرته على الرواية. وتألمت بنفس الوقت لحالته الاجتماعية عازبا يقترب من الشيخوخة. يهرب من الأحاديث عن الزواج والابناء. فاحترمت رغبته وتوطدت صداقتنا مع الايام. فعرفته على اصدقائي، وعرفني على اصدقائه. فتكونت شلتنا التي استمرت نشطه تضج بالحياة لعقد كامل.

نظر الي فجأة كمن تذكر شيئا سها عنه. وسألني محتارا:

- اما يزال أخي حيا ؟!

وتذكرت اخاه هاو صيد السمك. بقامته النحيلة بسيارته " الجيب " القديمة والمشهورة. وبملابس الصيد الخاصة به. كان حازم يقول عن أخيه:

- انه اكثر من أخ .. انه بمثابة والدي !!

كانا يسكنان نفس المنزل. كلاهما غير متزوج. علمت فيما بعد أن للأخ الأكبر ابنة من زواج مختلط سابق لم يدم طويلا. كأن القدر حكم عليهما بالوحدة الابدية. كانت تسود بينهما علاقة تفاهم وطيدة رغم اختلاف الأمزجة. وكان الأخ الكبير دائم القلق من افراط حازم بالشرب. فيستنجد بنا لحث حازم على التخفيف. فيغرقنا البحر. فنعود اليه وبأذيالنا الفشل. فيقول متألما:

- انه اخوكم .. ان صار عليه شيء أنتم الخاسرون.

فنحاول مجددا ان نكر على بحر لا ينضب. وحالنا كحال الذي يفرغ نبعا بدلو، وبحرا بزنابيل بصل. فيصرخ بنا حازم بصوته الجهوري:

- يا معشر القوم ... لا تبيعوا حبيبكم. تذكروا " ابو النواس " إذا احببتموني أنقذوني ببئر من كفركنا.

فنفرط معه بالشرب ناسين او متناسين مهمتنا.

- اجل مات ... ذلك الرجل الطيب.

أجبته. فلم تتغير سحنته ... وكأن الخبر لا يخصه !!

 

********

 

حثثته يوما على الزواج. كانت زلة لسان مني عن موضوع تعمدت ان لا اضايقه به. كنا عائدين من العمل. مزاجه رائق ومصاب بحالة سعادة فجائية. يغني ويؤذن بصوت مرتفع. وانا منطلق بالسيارة. أسرع وأبطئ حسب نغمة غنائه. قلت مستغلا فترة التقاطه لأنفاسه:

- امنيتي يا حازم ان اراك متزوجا !!

- ما احلى الأماني . عندي منها بضاعة كثيرة. من ايام يافا وانا اجمعها واجمعها واجمعها !! آه ما أثقلها !!

وضحك بصخب. غير أنى شعرت ان ضحكته تخفي كآبة نفسيه سوداء. فلمت نفسي على طرح الموضوع، وسارعت أقول:

- انا آسف اذا ضايقتك ؟!

ورفض أسفي وقال بحرقة:

- أفهم قلقك علي .. ولكني لن أخون أمينة !!

ولم أفهم ما يعني بأمينة. ومن تكون أمينة هذه التي لا يريد ان يخونها؟ لأول مرة أسمعه يذكر اسمها امامي. شعرت أنى فجرت آلاما قديمة يتجاهلها وتعذبه.

- أمينة ؟!

- حبيبتي منذ خلقت .. أحيا وأموت على دينها.

- تزوجها ؟!

- فاتني الميعاد .

- هي .. تحبك ؟!

- كنا احلى عاشقين .. بادلتني حبا بحب وجنونا بجنون ... لم تسع يافا حبنا. ولا اتسع بحر يافا لعواطفنا ...

فهمت انه يعني حكاية قديمة من ايام شبابه الباكر قبل ان تعصف بيافا الرياح. فقلت لنفسي: " لعله يعيش صدمة من ايام شبابه. ربما تزوجت أمينة التي أحبها من غيره فصدم ...؟ هل من المنطق ان تنتظره فتاة ثلاثة عقود ؟! " .

سألت بوجل فاحصا كلماتي قبل أن أتفوه بها خوفا من جرحه:

- هل افهم ان أمينة تزوجت ؟!

- أبدا !!

- وماذا تنتظر ؟!

- انا نفسي لا اعرف .. أشعر أحيانا بالخوف من الظهور في حياتها بعد هذا الزمن الطويل. انا واثق انها لم تتزوج بسببي. انتظرتني طويلا. كدت أعود اليها لولا انه اعترتني لحظة ضعف. ليست لحظة ضعف ... خفت أن أصدمها بلقائي. وضعها لم يكن يسمح. كانت محروقة. ليس شيئا جديا كما علمت فيما بعد. ولكني لم أظهر وهي في قمة رونقها. لم أظهر وهي تأمل برؤية فارس أحلامها. فكيف أجيئها وهي يائسة مشوهة. ؟!

بدأت ابني افكارا وتصورات عن الاحداث التي يرويها خطفا. كونت عدة افكار تصلح لصياغة قصصية. ثارت النار التي تعتريني كلما توهجت فكرة لصياغة قصصية امامي. ولكني زجرت رغبتي التي اعلم تماما ان لا سيطرة لي عليها. المأساوية التي يحاول حازم ان يطويها بضحكاته، كانت أقوى من كلماته، التي يلقيها وكأن ما يرويه لي، لم يعد يحتل كل حجزات حياته. وكل ذرة من تفكيره. انا امام اكتشاف غير عادي. هذه الفكرة المجنونة تجعلني مندفعا بلا ترو. ولكني لم اخرج بصورة واضحة من النتاتيف التي استطعت ان اجمعها في ذهني.

- انت تزيدني تعقيدا اذا كان يضايقك الموضوع فانا اسف واطوي الصفحة ...

- ابدا ابدا .. يا للسعادة التي اشعر بها كلما مرت أمينة بفكري. هذه حكاية قد احكيها لك يوما.

وأنا هل أستطيع الصبر؟

اثار شجوني بسلبيته من موضوع الزواج. قلت سلبيته ولم اقل رفضه القاطع. وشتان بين الموقفين. هناك شيء يقيده، يمنعه من الاندفاع. لماذا لم يتزوجها قبل ان تحترق؟ او بعد ان احترقت؟ ولماذا احترقت وكيف ؟! وهل له دخل بموضوع حرقها؟ ... أيكون بسبب حبها وانتظارها له ؟! وهو ؟! وتردده ؟! لمحت وحافظ على صمته بمضض بارز. كأن حاجزا في نفسه يشده بعيدا عن خوض التجربة. كانت حبيبته في يافا منذ كان شابا يافعا فما المانع من استمرار العلاقة وترسيخها بإطار مقبول ؟! وها هو اليوم يدعي ان أمينة زوجته ؟! ومن مثلي يعرف أن أمينة وحازم لم يجمهما الزواج ابدا؟

- واليوم ... الم يحن الوقت للأقدام. أمينة ما زالت على حبك ؟؟

لفه صمت وهبوط في حماسه الذي كان يميزه في أحاديثه واثناء سفره معي، حتى كدت أنكره.

- أنت تعيدني الى أيام أحبها بكل جوارحي .. لا تؤاخذني على سرحاني. انا معك جسدا. ولكن روحي تطير في شوارع يافا. تركض على رمل البحر الذهبي. تعانق امينة. نخترق الأمواج متعانقين. أشعر بدفء شفتيها. أعانقها فتتملص مني ضاحكة. لا تؤاخذني على دموعي. هذه ليست دوعر حزن. بل هو الفرح الذي ينقلني الى أحلام غادرتني يوم غادرنا يافا .. لا لن أخون حلمي.

مسح دمعتين. وشعرت بالغباش على عيني. مسحت عيني بطرف يدي كي ابقي رؤيتي للطريق واضحة.

- ومع ذلك تواصل الهروب من أمينة ؟

- انت تضطرني لسرد الحكاية .. ربما هي الطريقة الوحيدة لتفهمني. ولم يسبق ان حكايتها الا لنفسي. كل ليلة لا أنام الا بعد ان اخدر ذهني. انا لا أنام منذ فقدت أمينة. منذ ابعدت بيننا العاصفة. انا اخدر ذهني. ولكني اعود الى وعيي من جديد. تمضي الأيام. وانا ما زلت شابا اركض على رمل يافا الذهبي. تمضي السنون وامينة يتأصل حبها في نفسي. ربما أخاف ان يعتريني من رؤيتها ما يفسد حلمي عنها. اريدها كما كانت في يافا. عروس البحر الساحرة والرائعة. هل تعود تلك الأيام؟ كيف تعود بعد ان ماتت يافا. بعد ان اغتصبت وشوهت؟ ربما حبيبتي هي التي اغتصبت، احيانا لا اميز بين حبي ليافا وحبي لأمينة. انا اتحدث عن مشاعر قوية تثير غضبي المكبوت. تفجرني من داخلي. ولكني بيني وبين نفسي اعترف بأني عاجز عن انقاذ حبيبتي من مغتصبيها. عاجز عن انقاذ امينة من الضياع ... هل راودك مثل هذا الشعور؟ انت لم تغادر الناصرة. لا تعرف معنى فقدان الوطن. معنى فقدان الحبيبة. معنى فقدان الرغبة بالحياة.

- آسف .. لم أقصد ان اثير أحزانك.

قاطعته. ودافع مجنون في نفسي يحثني على استخراج المزيد من اعترافاته.

لم يلتفت لمقاطعتي. أخذ نفسا طويلا. وأخد جرعة من زجاجة البيرة الباردة. انتعش، وواصل حديثه:

- انا احبها وهي تحبني . انا واثق من حبها وانتظارها لي. اقول لك لم تتزوج بسببي. هذا ال

 
تعليقات