أمجاد العرب
صحيفة الكترونية يومية amgadalarab.48@gmail.com
ألصفحة الرئيسة
أخبار .. بيانات
ملفات اخبارية
مختارات صحفية
كورونا حول العالم
بيانات و تصريحات
تحت المجهر
كواليس واسرار
كورونا
مقالات وتحليلات
مواضيع مميزة
مقالات وافكار
تقارير دراسات
ادب وثقافة
منوعات
الأسرى
كلمة الأمجاد
راسلنا
من نحن
 
كلمة الأمجاد
نتنياهو والكورونا والتضحية بالمواطنين بقلم : شاكر فريد حسن
 
المتواجدون حالياً
 
المتواجدون حالياً :
 
 47
 
عدد الزيارات : 42413469
 
عدد الزيارات اليوم : 2463
 
أكثر عدد زيارات كان : 76998
 
في تاريخ : 2014-04-20
 
 
مقالات
 
مواضيع مميزة
الامين العام للامم المتحدة غوتيريش يحذر: كورونا خارج السيطرة.. والعالم يحترق!

نتنياهو يُؤكّد بأنّ دولاً في المِنطقة ستحذو حذو الإمارات وتُوقّع اتفاقيّات تطبيع مع إسرائيل قريبًا.. ويُوافق على حلٍّ وسط يُرجِئ المُوازنة ويَحول دون إجراء انتخابات جديدة

“الدم والنفط”.. كتابٌ جديد يروي قصّة صُعود محمد بن سلمان إلى الحُكم.. تعذيبٌ وزيّ خاص للمُعتقلين لتغذية شُعوره بالسّطوة والقوّة..

روحاني: المخططات والمؤامرات الأمريكية للسيطرة على إيران باءت بالفشل 100 بالمئة والعقوبات لم تمنعنا من التقدّم

الميادين: معركة شرسة داخل الجامعة العربية وتحركات للحجر على القضية الفلسطينية وقبول “صفقة القرن” بعد رفض طلب لعقد اجتماع طارئ لرفض التطبيع والبحرين تهدد

السيد خامنئي..الإمارات خانت العالم الإسلامي، وخانت الدول العربية ودول المنطقة، وكذلك خانت القضية الفلسطينية، هذه الخيانة لن تدوم طويلاً لكن هذه الوصمة ستبقى عليها

مفاوضات حاسمة بين إيران والدول الكبرى حول الاتفاق النووي مع تزايد الضغوط على الولايات المتحدة.. عراقجي يؤكد: العالم بأسره يراقب ما الذي ستفعله الدول الأعضاء ضد واشنطن وسنحدد مسارنا للتعاون

فيلم وثائقي مدعّم بشهادات علماء نفس يشخّص ترامب بأنه .“نرجسي خبيث” ويحذرون الأميركيين من أربعة عوارض: اضطراب الشخصية الاكثر تدميرا تشمل البارانويا والنرجسية

نتنياهو : مستعد للتفاوض مع الفلسطينين على اساس خطة ترامب وزرت بلدان عربية سرا

الجنرال غلعاد يكشِف: قلتُ دائمًا لنظرائي العرب إنّ التفوّق النوعيّ لإسرائيل يُعمِّق الاستقرار والسلام والسيسي أنقذنا من تهديدٍ استراتيجيٍّ واسعٍ وعظيمٍ

تهديد أمْ حربًا نفسيّةً.. تل أبيب: باستطاعتنا اغتيال نصر الله في كلّ زمنٍ نختاره

صحيفة عبرية : مفاوضات سرية بين السعودية وإسرائيل برعاية أمريكية حول الأقصى

التنسيق الأمنيّ بين الاحتلال والسلطة الفلسطينيّة مستمرّ رغم ادعاءات وقفه ووزيرٌ إسرائيليٌّ: “عبّاس بحاجة للتنسيق مع إسرائيل

 
مواقع صديقة
نبض الوعي العربي
سورية العربية
الصفصاف
مدارات عربية
 آخر الأخبار |
   ضابط إسرائيلي: نصر الله هدف للاغتيال في ظروف معينة.. والحرب القادمة ستكون على عدة جبهات      “لو كان صدّام حياً لاحتل كل الخليج”.. تغريدة لمستشار نتنياهو. تثير جدلا واسعا      هل هُناك خطّة أمريكيّة لاستِبدال عبّاس بدحلان وتعيين الأخير زعيمًا للسّلطة؟ لماذا تسرّبت هذه المعلومة على لِسان السّفير فريدمان مُهندس صفقة القرن      حاملة طائرات وبوارج بحرية اميركية تدخل الخليج وسط تهديدات واشنطن بإعادة فرض عقوبات على طهران      عبد الباري عطوان //إسرائيل تُجدّد التّهديد باغتِيال السيّد نصر الله.. وترامب يتحدّث عن إيقاف خطّة لاغتِيال الأسد.. هل التّزامن في التّوقيت مجرّد صُدفة؟      معاريف: كيف تنظر إسرائيل إلى الساحة الفلسطينية بعد رحيل “خبير الانتظار” أبو مازن؟      رسميا ومنذ الثانية ظهرا .. البلاد دخلت في اغلاق كامل لمدة ثلاثة أسابيع لمواجهة وباء الكورونا..اليكم التعليمات مفصلة      جون أفريك: مفاجأة ترامب لشعب الخليج… مقاطعة قطر قد تنتهي قبل انتخابات الرئاسة الأمريكية      الصحة الفلسطينية:8 وفيات و692 إصابة جديدة بفيروس "كورونا" خلال الـ24 ساعة الماضية      واشنطن: 5 دول عربية أخرى تدرس التطبيع مع إسرائيل      "طوبى لصانعي السلام" - أريد مسيحًا يسعفني//جواد بولس       الجامعة العربية ليست عربية ولا أمل بإصلاحها // بقلم : شاكر فريد حسن      الأسير يوسف اسكافي مصاباً بمرض القلب ويصارع المرض في سجون الاحتلال (1972م - 2020م ) بقلم :- سامي إبراهيم فودة      حماس تدين تصريحات أمريكية حول استبدال دحلان بعباس وتعتبر بأنها تمثل تدخلاً مرفوضاً في الشأن الداخلي      كورونا عالميا : 30 مليون إصابة ودول أوروبية تشدد القيود      كلامُ عُروبَتي وجعٌ يخونْ د جمال سلسع      الجماهير الفلسطينية صانعة المتغيرات التاريخية بقلم : سري القدوة      هي صبرا تحاصركم ..!! بقلم د. عبد الرحيم جاموس      العرب بين اتفاق أوسلو وتطبيع الخليج د. عبد الستار قاسم       لَحْنُ الفِدَاء //شعر : حاتم جوعيه      صحيفة "إسرائيل اليوم" تعدل ما نسبته لفريدمان بشأن استبدال الرئيس عباس بالقيادي دحلان يعقب      امريكا ترغب في إعلان الدوحة "حليفا رئيسيا" لها سجل في التعامل معها.. مسؤول امريكي: واشنطن ستتمكن من إقناع قطر بالتفاهم مع إسرائيل      نتنياهو عشية فرض الإغلاق: لن يكون مفر الا بتشديد اكبر للقيود والتعليمات لمحاربة الكورونا... فرض إغلاق شامل على منطقة الضفة وإغلاق المعابر       فيالق الاعلام المأجور في لبنان أخطر من أي سلاح كان زياد شليوط      إبراهيم أبراش المطبعون يُجَرِمون العرب ويبرؤون الكيان الصهيوني      سيناريو فوز ترامب في الانتخابات الأمريكية القادمة د. عبير عبد الرحمن ثابت      الحكومة تصادق على أنظمة الإغلاق التام...اليكم بالتفاصيل ما هو مسموح وما هو ممنوع خلال الاغلاق      وزارة الصحة: 45145 اصابة نشطة بالكورونا و1163 حالة وفاة      دمشق تصف تصريحات ترامب حول عزمه قتل الرئيس الأسد: “أرعن” ولا يدل “إلا على نظام قطاع طرق”      الامين العام للامم المتحدة غوتيريش يحذر: كورونا خارج السيطرة.. والعالم يحترق!     
كواليس واسرار 
 

جدل حول «ابنة غير شرعية» لمحمود درويش يسرق الضوء من أزمات العالم الخانقة

2020-06-12
 

سرقت مقالة الشاعر السوري سليم بركات المعنونة بـ «محمود درويش وأنا» («القدس العربي» 6 حزيران/ يونيو/ 2020) الأضواء من كبرى القضايا والأزمات الحارقة التي تشغل العالم والمنطقة، وباتت الشغل الشاغل لسكان مواقع التواصل الاجتماعي، بعد حديث الصديق البارز لدرويش عن ابنةٍ للشاعر الراحل من امرأة متزوجة مجهولة.

«البوح» جاء في سياق سرد بركات لصداقة وصلت حدّ «تبنّي» درويش لسليم، كما جاء في الكتاب النثري «ذاكرة للنسيان»، الذي يوثق يوميات الشاعر الفلسطيني أثناء حصار بيروت عام 1983، والتباس العلاقة بين الصداقة والتبنّي، حيث يقول «لم يعد يعرف أين الحدُّ بين أن يراني صديقاً، أو يراني ابناً له»، هو الذي «تزوج مرتين ولم يُنجبْ، بقرارٍ قَصْدٍ في أنْ لا يُنجب». ومن هنا يدلف بركات لكشف السرّ «ألقى عليّ، في العام 1990، في بيتي بنيقوسيا ـ قبرص، سِرًّا لا يعنيه. كلُّ سِرٍّ يعني صاحبَه، لكن ذلك السرَّ لم يكن يعني محموداً. باح به بتساهُلٍ لا تساهلَ بعده». ثم أضاف قول الشاعر «لي طفلة. أنا أبٌ. لكن لا شيء فيَّ يشدُّني إلى أبوَّةٍ».

انتقادات لسليم بركات ودفاعات عنه… وتساؤلات حول معاناة الفتاة وآمال بظهورها

ويضيف الشاعر السوري الكردي الذي عمل سنوات إلى جانب درويش في مجلة «الكرمل»: «أنا لم أسأله مَنْ تكون أمُّ طفلته. امرأة متزوجةٌ، صارحتْه المرأةُ مرتين، ثلاثاً، في الهاتف بابنته، ثم آثرتْ إبقاءَ ابنتها أملَ زوجها». ويختم «محمود لم يسأل المرأةَ، حين انحسر اعترافُها، وانحسرتْ مبتعدةً في العلاقة العابرةِ، عن ابنته. أبوَّتُه ظلَّتْ تبليغاً موجَزاً من صوتٍ في الهاتف عن ابنةٍ لم تستطع العبورَ من صوتِ أمها إلى سمع أبيها».
الخبر أحدث صدمة لدى محبي الشاعر الفلسطيني، فانبرت الأقلام على الفور لتكذيب الواقعة، والهجوم على الشاعر السوري باتهامات تقول برغبته تسلّق اسم درويش، أو بمحاولة «قتل الأب»، إن جاء الانتقاد رحيماً، وصولاً إلى الاتهام بالإساءة إلى رمز وقضية. غير أن أغلب الكتابات نالت من المكانة الأدبية للشاعر السوري متخذة من «تقعّره» اللغوي دريئةً لوصفه بالمتكلف والمتصنع، على ما يقول الكاتب شورش درويش «طاول الأمر أدب بركات ونهجه اللغوي وكأنه بدأ يكتب بهذه اللغة المتكلفة منذ ربع ساعة، وبات تعريفه شاعراً كردياً يتصدّر المشهد فيما درويش شاعر القضيّة، فوق الهذر الصحافي في قضية الأبوة الملتبسة تكبّد مجتمع الكتاب والشعراء عناء إتحافنا بالواجبات الأخلاقية للفرد/الصديق» .
وإذا كان الشاعر العراقي سعدي يوسف دخل على خط الجدل مؤكداً «سليم بركات ما افترى على الله كذباً»، فإن الشاعر الفلسطيني حسن خضر يفسّر الواقعة بالقول «لا أتهم سليم بركات بالكذب، أو محاولة التشويه، ولكن أود التذكير بطريقة الذاكرة في الانتخاب والإقصاء، وطريقة محمود في التعبير عن أشياء كثيرة أحياناً بالمجاز، والمبالغة اللفظية، والسخرية الحقيقية، أو المُفتعلة، والاستغراق في لعبة الأضداد، ربما أسهمت أشياء كهذه، في جلسات حرّضته على بوح من نوع ما، في توليد قدر من سوء الفهم. فمن المُحتمل، مثلاً، تأويل اعتراف الأم بالابتزاز العاطفي. وقد واجه، فعلاً، حالات ابتزاز كهذه، وأشهدُ بأنني سمعت عنها منه».
لكن الجدل لم يتوقف عند مصداقية ما جاء في مقال بركات، فالبعض ذهب فوراً إلى البحث في معاناة الابنة المجهولة، إذ يقول الكاتب السوري الكردي هوشنك أوسي «لا أحد فكّر في تلك الفتاة التي أصبحت الآن صبيّة. لا أحد فكّر في استمرار معاناتها، وخوفها من الجهر بحقيقة أبيها. لا أحد فكّر بألم ومعاناة تلك المرأة التي من فرط افتتانها بدرويش نامت معه وهي على ذمّة رجل، وقابل الشاعر الكبير ذلك الكرم من تلك السيّدة، بتجاهله ابنته. بدلاً من الالتفاتة إلى الأمّ وابنتها، الكلّ سارع إلى التكذيب وإنقاذ درويش وكأنّه يشارف على الغرق! وكأنّه مدان أو في خانة قفص الاتهام! الحقّ أنه ليس بركات من وضع صديقه في خانة الاتهام، بل الذين نصّبوا أنفسهم محامي دفاع، وترافعوا عنه، عبر النفي والتنكيل ببركات، بتلك الطريقة الشعبويّة الهزليّة».
وفي وقت كتب الشاعر اللبناني عباس بيضون «السرّ الذي باح به بركات لم يستفز إلا الذين وجدوا فيه فقط زنا أو ما يشبهه. لم يجدوا فيه كما لاحظت تنكراً للأبوة، ولم يأخذوا هذا عليه». واعتبر بيضون أن رواية بركات ليست « سوى مدخل إلى سيرة شاعر وإلى حياته الشخصية. بل هي مدخل إلى حياة شخصية، أظن أن الجميع، ما عدانا، اشتغلوا عليها فيما يتعلق بمشاهير في الفكر والفن».
الشاعر اللبناني طالب أيضاً: «ما بدأه بركات يجعلنا نطالب بإتمامه والسير فيه، ليس فقط بخصوص درويش، ولكن بخصوص آخرين في حاضرنا وماضينا. أقول ماضينا وأعني ذلك تماماً» .
الشاعر والإعلامي اللبناني عبده وازن كتب على صفحته في فيسبوك: «كم أتمنى أن يتحقق كلام سليم بركات، وتطلّ علينا ابنة محمود درويش. ليس أجمل من أن يكون لشاعر في مرتبته ابنة، إنها حياة أخرى له».

 

محمود درويش وأنا

 سليم بركات

 

 

البياضُ رائقٌ، راضٍ عن حظوظه؛ بل راضٍ عن مقاديره موزَّعةً بعَدْلِ الميزانِ اللونِ، متقدِّمٌ، بلا إفراطٍ، في الصورة: بياضٌ هدنةٌ، أو صُلحٌ.

سوادٌ راضٍ عن نفْسِه؛ عن حكمةِ الأصلِ في عِظةِ اللون؛ مُدرَّبٌ على نَحْتِ الشكل نافراً بآلاتهِ الرماديةِ، في الصورة: سوادٌ هدنةُ، أو صُلحٌ.

لونان هما تاريخ البرهة جمعتنا معاً، محمود درويش وأنا، في ميثاقٍ سوادٍ وبياضٍ من مُبْتكَرِ العام 1973: صورة كبيرة قليلاً لهيئتين نحيلتين، يدُ الأطول منهما على كتف الأقصر، في بيت الشاعر السوري أدونيس.

بضع مساءات التقيت الشاعر الفلسطيني في بيت الشاعر السوري. آثرتُ، أنا الخجول، ابتعاداً لا أُقحِمُ نفْسي في ما يتكلَّفُه المعجبون بشاعر ولد بملعقةٍ في فمه نِصْفٍ من ذهب الشعر قضيَّةً آسِرَةً، ونصفٍ شهرةٍ مجتاحة. أدونيس، الذي طلب مني، وأنا في الثانية والعشرين، جَمْعَ شِعري في كتابٍ طبعَه على نفقته، أهدى نسخة من كتابي الشعري الأول، بنفْسه، إلى محمود، في بيته. تلك النسخةُ أطلقت عَتباً من فم محمود: “أأنتَ تتجنَّبني؟”. أحسَّ ابتعادي، في ردهة الجلوس، إلى طاولة كتابةِ المضيف البعيدة قليلاً، نُفُوراً.

“هَيَا إلى صورة”، قال صديقٌ صحافي. عبرنا، محمود وأنا، بخطواتٍ لونٍ من الحياةِ حركةً إلى الثباتِ المُذهل بياضاً وسواداً، في صورة لم تجمعنا سواها إلاَّ بعد أكثر من خمس وثلاثين سنة، على أرض السويد، بآلاتِ السِّحْرِ الحديثة استخرجها الجالسون من جيوبهم، في قاعةٍ جمعتْنا بالحاضريْنَ لقاءً شِعراً، ولقاءً حديثاً بَوْحَاً، عن علاقة شاعر بشاعر، أدْمَعَ عينيَّ اعترافاً منه بوجودي في وجوده شاعراً وصديقاً.

الصورةُ البياضُ الصُّلحُ أو الهدنةُ، والسوادُ الصلحُ أو الهدنةُ، لن تطلقني من أسْرِ الرماديِّ في اعتناقِ أحدِ اللونين دِيْنَ اللون الآخر رمادياً. تلك الصورة استعارها أخي الأصغر مني فحملها من بيروت إلى دمشق. اعتُقِلتِ الصورةُ، واختفت حتى يومنا هذا، بلا أثرٍ لبياضٍ صُلْحٍ فيها، أو سوادٍ هدنةٍ.

منذ تلك الصورة أكملتِ المصادفةُ الحياةَ نَحْتاً صداقةً بين محمود وبيني؛ قُرْباً نَحْتاً نافراً من قلبٍ على قلبٍ، حتى اليوم الذي سمعتُ فيه صوته، قبل مغادرة الأردن إلى أمريكا بيومين، أملاً في وضْعِ الحياةِ على سكَّةِ شرايين أخرى، أكثر رأفةً بتوزيع الدم عادلاً على كيانه. كان صوتُه مستسلماً قليلاً، لكن ليس في داعيْهِ ما يستوجب حَمْل حقيبةٍ إضافيةٍ لامتاعٌ فيها؛ لا ثيابٌ أو آلةُ حلاقة، أو عطر، أو حذاء، بل روحُهُ في الرحلة إلى الأبدية.

عوَّدنا قلبُه، باكراً، استبدادَ عضوٍ من الجسد بمجتمع الجسد كاستبداد الشعر بالمعاني في توطيدهِ الحياةَ، ثانيةً، على حافَّة غَمْرِها الأصلِ نظاماً فوضى. محمود ألقى بنفسه، قَبْلاً، على الحافة في الشعر قلبيْنِ ينتقلان من اللوعة فَقْداً للأرض إلى لوعة الوجود احتفالاً، في نشيدٍ من جَمْعِ السماءِ زيتوناً على عباءة حريته. ظلَّ حتى آخر نَفَسٍ للشعر فيه بقدمٍ في مَعْقِل الحرية، وأخرى في مَعْقِلِ اللوعةِ مذ كان سليلَها كتاريخِ بلده. وقد أقمتُ معه في معقل النازع الملوِّعِ من جرحِ بلدٍ سليبٍ مرَّةً، ومرَّةً في معقِلِ تأكيد الحرية للمعاني شعراً حِذْقاً بلا مساومةٍ؛ شعراً يَجْبَهُ نازعَ الفَقْدِ المُبكي. كتبتُ “رباعياته” الأولى على ظهور أغلفة كتبي المدرسية، من غير أن يخطر لي أن هذا الشاعرَ البَذْخَ في اجتماع المصادفةِ على انتخابه قضيَّةً، سيوسِّع لي إقامةً في شعر لن أدوِّنه، بالحروف المجلوَّةِ من لباقةِ الخطِّ، على ظهر أيِّ كتابٍ، بل على ظهر الحياة، وخَثَلَتِها الملتمعة بزيت القُبَلِ أيضاً. حَمَل قصيدتَه “ليس للكرديِّ إلاَّ الريح”، التي بَرَاها بَرْياً بصداقة السنين، من أرضٍ إلى أرضٍ. في سوريا، حيث ألقاها على مسامع الحاضريْنَ، أبلغه وزيرٌ، ومستشارةٌ، أنني “على الرَّحب” إن عدتُ إلى بلدٍ خرجتُ منه منذ نهاية العام 1971 ولم أعُد إليه إلاَّ بقدمَيْ حنيني الحافيتين.

أَجمَعني بمحمود إحساسُ الفَقْدِ من غير ربطٍ؟ لا. كان الشعرُ الجذْرُ، أولاً وأخيراً، بمراتبه حَرْثاً في المفقودِ الخالد.

قصيدته عني “ليس للكردي إلاَّ الريح”، التي حملها من أرضٍ إلى أرض، القاها على مسمعي أيضاً، في السويد ـ اللقاءِ الجديد، الأخير، سنة 2007، بعد آخر لقاء في باريس، مطلع العقد العاشر من القرن الماضي. لم تره عيناي بعد ذا، بل تتبَّعه بصرُ قلبي إلى طُرقات الأبدية مُنعَطفاً بعد مُنعطف، ومحطة بعد محطة، يلقي أشعار المفقوديْنَ في مجاهل السواد الخالد، على مسمع البياض الخالد، كاللونيْنِ في صورتنا الأولى.

كنتُ معه، أبداً، في القصيدة كتبَها عني مختلِساً من ظلال المكان القبرصيِّ ما يفصِّله لخياله بَوْحاً. أثَّث بيتي، في القصيدة، ثانيةً، بالمتشابهات الكبرى بين الإسمنت والغناء، والمتفارِقاتِ الحِيَلِ الجوهرية بين الحروف والغُرَف. وقد أراد في زيارة اللقاء الأخير إلى بيتي في السويد، أن يؤثِّث، ثانيةً، منزلَ البوح، لا في شِعرٍ هذه المرة، بل في يومياتٍ كحديثٍ ممتدٍّ من أول العمر إلى آخره.

“في سكوغوس”، كانت خاطِرةُ كتابه الأخير حيًّا “أثر الفراشة”. لم يصعد بي، من سطورها، إلى سطوةِ الاستعارات في إيقاف الخيال على قدمين مجرَّحتين قرب قدميِّ الشعر، أو إلى نِسَبِ المعقولِ المُنْجَزِ معقولاً في أوزان الأشعار، ونِسَبِ المعقولاتِ المُفترَضة، الأكثرِ شَغَباً في الوجدانِ الصِّورِ، بل استلهمني، في خاطرته من موقع بيتي ـ سكوغوس الجبليِّ، بعد عشائين طويلين، طاهياً أيضاً: “سكوغوس، من ضواحي ستوكهولم. غابة من أشجار البتولا والصنوبر، والحور، والكرز، والسرو. وسليم بركات في عزلته المنتقاة بمهارة المصادفة التي تهبُّ بها الريح على المصائر، لا يخرج منها مذ صار جزءاً من المشهد، محاطاً بطيور الشمال… وقريباً من أُلْفة السناجب، والأرانب، والغزلان، والثعالب، تلقي عليه التحية عبر النافذة، وتهرب، وتلعب خلف تمارينه اللغوية… وهو إذ يهجس الآن فلا يهجس إلاَّ بالطهو: قصيدة نهاره المرئية”. وأنا أعترف أنني أطهو على نحو لا يُقلقُ الطهوَ، أو يَغيظُه، أو يَهينُه. أُبقي الطهوَ كريماً، معافىً بين يديَّ، مُذْ أدركتُ أن لا فرقَ بين مَرَقِ اللحم ورباعيَّةٍ؛ ولا فرقَ بين نشيدٍ ودجاجة محشوَّة أرُزًّا وصنوبراً؛ ولا فرق بين ملحمة وشواءٍ لحمٍ مُنكَّهاً بخيالِ الأفاويْهِ إحدى عشرة ساعة: الحياة قِدْرٌ، أو فحمٌ؛ على أجسادنا توابلُ العَدَم القويَّة.

سيرتُه “ذاكرة للنسيان”، عن حصار بيروت العام 1982، لم تَخْلُ مني أيضاً. دحرجني في السطورِ السوادِ الغاضب عشرين صفحةً، ودحرجني في البياض الغاضب بين السطور عشرين صفحة، بالحرف الأول من أسمي “س”. وواكبتُه بالحروف كاملةً في اسمه أربعَ عشرة صفحة من قصيدتي فيه، قبل ثلاث وعشرين سنة:

“فلا تتأفَّفنَّ أيها الصباحُ إنْ زجَّكَ في الملهاة، لأنَّ البطولةَ، التي تتأبَّطُ برسيمَها، وخُوْصَها، ستحيِّيْكَ من المجازات الأسيرةِ في رئتيه، ومن الشفقِ النازفِ لوعةً لوعةً في الأكيدِ العالي، الذي يدحرجُ الشهداءَ فوقَ حريرهِ خُوَذَ الموتِ المكسورةِ”.

لم يَحملْني خيالُ الشاعر الناقدِ فيَّ إلى مساءلةٍ في إنشائِهِ بيانَ قلبهِ شعراً. هو يعود بالشعر مرةً إلى مَأهُوله من الشعريِّ، ويُبقي الشعرَ مرةً في ثقةِ الآخرين بالقضية وضوحاً صِرْفاً. لربَّما وزَّع نفْسَه، بالحيرة من خطف الواقع إلى موافَقَاتهِ في المعاني، ومطابَقَاتِ وصْفِهِ واقعاً، على قلقِ الرغبةِ ذاتها بولائه للبسيط المُحْكم من وجهٍ، وامتداحه للمتراكِبِ المُحْكَم من وجهٍ، ببعض التردُّدِ، مُذْ رأى في المتراكبِ “دَلاَلاً” تُغْدِقهُ اللغةُ على مجاهلِ مقاصِدها. كان على حَذَرٍ من أن يجعل اللغةَ “حلاًّ” لـ “الجرحِ” المُعْضِلِ ـ الوجودِ؛ بل يريدها توصيفاً للجرحِ كقضيَّةٍ ـ هو الفلسطينيُّ ابنُ الفَقْدِ المُنْهِكِ لا يحتمل “رفاهةَ” اللغويِّ في “طيش” مقاصِد اللغويِّ.

“لقد أوجدتَ حلاًّ لمشكل الحياةِ كلِّه”، قال لي مرةً بإطراءٍ. “حلولُك لغوية”.

“وطنُكَ لغويٌّ”، قلتُ له.

كان علينا، بتواطؤٍ لا يُرَدُّ، أن نضحك. حلولٌ لغوية ـ نعم. حلولٌ لا تعويضَ فيها؛ لا نجاةَ؛ لا حكمةً، لا نصرَ؛ لا مفقودَ مُسْتَعاداً، بل تأسيسٌ آخر للخساراتِ أقوى، وللتيْهِ أقوى، وللَّوعةِ كما لن تعرفها لوعةٌ من “هِبَةِ” المفقودات. نحن كَتَبَةٌ ـ ممكناتٌ لغويةٌ بأصواتٍ في الحروف، وأقدامٍ في الكلمات. نعم. عَسْفاً سمَّينا “الحلولَ” حلولاً. هي فَرَضٌ من تصنيفِ التَّسميةِ. حلولٌ بلا حلولٍ. لغةٌ تعديلٌ في نِسَبِ الوجودِ مقاديرَ تليقُ بالذهولِ ـ أبِ النشأةِ.

لربما لم يوزِّع محمود نفْسَه، بخطفه الواقعَ إلى المطابقات في لغته، على قَلَقٍ، بقَدَمٍ في اللغويِّ البسيط وأخرى في الرغبةِ المتراكبةِ وشهواتها؛ أو بكلِّه على قَلَقٍ في الشعر “بلا وفاءٍ” لمقاصد الوجدانِ المنكوبِ بالواقعيِّ المنكوبِ ـ إرثِ الأرض سليبةً. ابتعد أحياناً عن ذائقةِ “المطلوب”، واقترب منها مراراً، كأنما يوازنُ هِبَاتِ الشكِّ في جدوى القطيعة مع “الجرح المعهود”. ظلَّ على ولاءِ البسيطِ باقتدارٍ في استنطاق الأبعدِ فيهِ رحلةً بعد أخرى من رحلات المعاني، وهجرةً بعد أخرى من هجرات “الواقع”، ونزوحاً بعد نزوحٍ للحنين الأولِ عن أناقةِ الحنينِ وفِتنته.

على أية حال، ليس في اقتدار خيالي عرْضُ محمودٍ على خيالٍ نَقْدٍ فيَّ، مُذْ كان التاريخَ الآخر لي ـ تاريخ الحماسة الأولى إلى قهر الخسارة، وقهر العجز في بلداننا المهزومة. وكان تاريخَ صداقةٍ لم أجد فيها أقرب إليه مني. كان من حولي في هاتفه، بلا انقطاع. كانت عروضُه مبذولةً لي بلا انقطاع، حتى ظننتُ، أحياناً، أنني ابنُه.

في اللقاء الأخير على بوابة الشمال الأخير من أطلس العالم، جَمَعَنا عشاءٌ من حَبَّارٍ ـ صَبِّيدجٍ مقليٍّ دوائرَ كالأفلاك لُتَّتْ ببَيْضٍ وطحينٍ، همس وهو ينظر إلى ابني ـ ابن السابعة عشرة: “كسبتُ صداقةً جديدة ـ صداقةَ Rhan”.  ابتسمتُ. كان أجدى لو قال: “ها التقيتُ حفيدي”.

لقاءان بالجمهور جَمَعانا، معاً، في معرض الكتاب بغوتنبرغ. قرأنا شعراً في الأول، فيما ذهبَ اللقاءُ الثاني مُرْسَلاً في بوحِ صديقين على أسئلةٍ في صداقتنا إنسانيْنِ، وصداقتنا شاعريْنِ. كان محمود مذهِلاً في تلقائيةِ “اعترافه”، بلا تحفُّظ من شاعرٍ كبير مثله، أنه جاهدَ كي لا يتأثر بي، وفي اعترافه أنه لم يعد يعرف أين الحدُّ بين أن يراني صديقاً، أو يراني ابناً له. تزوج مرتين ولم يُنجبْ، بقرارٍ قَصْدٍ في أنْ لا يُنجب. كلُّ شاعر أنجب طفلاً أنجب قصيدةً مُضافة إلى ديوانه. وكل شاعر لم يُنجب طفلاً، أنجب الكونَ معموراً بأطفالِ اللامرئيِّ. أبوَّةٌ تكفي الشاعرَ هنا، وأبوَّةٌ تكفيه هناك. لكنْ، بالقَدْرِ ذاتهِ، المذهلِ في عفويته بلا تحفظ، وهو يُحدِّثُ عني في اللقاء بجمهورٍ يتلقَّف كلماته على سويَّةِ المذهلِ اعترافاً، ألقى عليَّ، في العام 1990، في بيتي بنيقوسيا ـ قبرص، سِرًّا لا يعنيه. كلُّ سِرٍّ يعني صاحبَه، لكن ذلك السرَّ لم يكن يعني محموداً. باح به بتساهُلٍ لا تساهلَ بعده، أمْ كان لا يتكلَّف معي قطُّ “أنا الذي أعرف الكثير عنه مما لا يعرفه سوايَ” حجْبَ شيءٍ يخصُّه؟

“لي طفلة. أنا أبٌ. لكن لا شيء فيَّ يشدُّني إلى أبوَّةٍ”، قال. كنا نتبادل كشتباناتٍ من تدريب اللسان على الأبوَّةِ (مُذْ صارت زوجتي حاملاً) قبل تدريب الوجدان على الأبوَّةِ. ليس الأمر أن يكون المرءُ أباً لسليلٍ من لحمه، بل أن تكون الأبوَّةُ، ذاتُها، على قُرْبٍ لَمْساً من السَّليل. أبوَّةٌ لم تَلْمَسْ بيديِّ الجسدِ سليلَها؛ لم ترَ بعينيِّ الجسدِ سليلَها، أبوَّةٌ فكرةٌ. الغريزةُ قُرْباً، والغريزةُ لَمْساً، والغريزةُ علاقةً، هي أمُّ الأبوَّةِ، وأبوها. محمود، حين كلمني عن أبوَّتهِ المتحقِّقة إنجاباً محسوساً، كلمني عن فكرةٍ في عموم منطقها بلا تخصيصٍ. أنا لم أسأله مَنْ تكون أمُّ طفلته. امرأة متزوجةٌ، اختصاراً، أخذت منه برهة اللحم لذَّةً من لذائذ المفقود المذهل، فاحتوتها كياناً لحماً. هل ستفاتح تلك المرأة ابنتَها، في برهة من برهات نَقْرِ السرِّ بمِنْسَرهِ على اللحم، تحت الجلد، بالدم “الآخر”، فيها؟ لا أعرف إن كان محمود يتفكر في الأمر، الآن، جالساً في استراحة الرحلة إلى الأبدية، على مقعد من برهان الكلمات أنَّ الأبديةَ قصيدتُهُ الأخرى ـ الهدنةُ بلا نهايةٍ.

صارحتْه المرأةُ مرتين، ثلاثاً، في الهاتف بابنته، ثم آثرتْ إبقاءَ ابنتها أملَ زوجها، حيث الحياةُ أكثر احتمالاً بلا فجاءاتٍ؛ أكثر تجانساً بلا فجاءاتٍ. بل الحياةُ، نفْسُها، مفاجأةُ الضرورةِ الصاعقة أسقطتْنا، جميعاً، في الصَّدمة: نحن نسْلُ اليقين الصَّدمات، و”مَصَالح” البلاغة في الترويج للمُحْكم، وتبعيةُ المُطلق للخيال المحدود، وقصاصُ المعاني من نفْسِها بجريرةِ انحراف الكلماتِ عن تسديد الدَّيْنِ للُّغةِ كاملاً، والجرحُ راضياً عن نَفْسِه. نحنُ إِخفاقٌ لونيٌّ.

محمود لم يسأل المرأةَ، حين انحسر اعترافُها، وانحسرتْ مبتعدةً في العلاقة العابرةِ، عن ابنته. أبوَّتُه ظلَّتْ تبليغاً موجَزاً من صوتٍ في الهاتف عن ابنةٍ لم تستطع العبورَ من صوتِ أمها إلى سمع أبيها. لذا محمود بلا أبوَّةٍ، كأنَّ الأمرَ كلَّه اعترافٌ صغيرٌ لصديقِ سنينَ طويلةٍ من عمره، بلا متْنٍ من توضيح في اللغة، أو هوامشَ إضافاتٍ، أو حواشي متجانسةٍ. أنا، نفْسِي، تلقَّفتُ اعترافَه بلا فضولٍ: لكانَ أنبَأَني من تكون المرأةُ لو كنتُ أعرفها. وها الفضولُ، خاملاً، يعبر خاطري بعد اثنتين وعشرين سنة. لابأس. أنا أُلفِّقُ لتلك الأبوَّةِ إقامةً في الكلمات، الآن، مُذْ كُنا إقامةً في الكلماتِ مُلفَّقةً بسطوةِ الشعر وبطشِهِ. لكنه التلفيقُ الأنقى مُذْ كانت الأمكنةُ ناكثةً بوعودِها ـ وعودِ الأمكنة.

بياضٌ هدنةٌ، وسوادٌ صُلحٌ نَحَتا ذاكرةَ العمر صورةً لمحمود ولي. صورةٌ أخرى وصلتني، على الإنترنت، من مشهد لقائنا معاً بجمهورٍ في السويد. صورةٌ ملونةٌ هي الثانيةُ أرانا فيها جنباً إلى جنبٍ. صورةٌ بألوانٍ ليست صُلْحاً أو هدنةً، بل لوعةٌ كالرياضيات، وحنينٌ كالهندسة.

 
تعليقات