أمجاد العرب
صحيفة الكترونية يومية amgadalarab.48@gmail.com
ألصفحة الرئيسة
أخبار .. بيانات
ملفات اخبارية
مختارات صحفية
بيانات و تصريحات
تحت المجهر
كواليس واسرار
مقالات وتحليلات
مواضيع مميزة
مقالات وافكار
تقارير دراسات
ادب وثقافة
منوعات
الأسرى
كلمة الأمجاد
راسلنا
من نحن
 
كلمة الأمجاد
مصلحة ترامب في التصعيد العسكري مع إيران صبحي غندور*
 
المتواجدون حالياً
 
المتواجدون حالياً :
 
 23
 
عدد الزيارات : 35959118
 
عدد الزيارات اليوم : 8693
 
أكثر عدد زيارات كان : 76998
 
في تاريخ : 2014-04-20
 
 
مقالات
 
مواضيع مميزة
باحثٌ أمريكيٌّ بعد لقاءٍ مُطوَّلٍ مع كوشنير: العرّاب تعمّد تجاهل “دولةً” للفلسطينيين وترامب لم يقرأ “صفقة القرن” ونتنياهو يراها كحزام النجاة من تورّطه بقضايا الفساد

كشف ما عرضه نتنياهو عليه حول غزة مبارك: صفقة القرن ستؤدي الى انفجار المنطقة وعلى العرب الاستعداد

القائد السابق للـ(الموساد) للتلفزيون العبريّ: “الجهاز هو منظّمة جريمة مرخّصة”… وعناصره يقومون بتنفيذ الخطف والإعدام والاغتيال بترخيصٍ رسميٍّ إسرائيليٍّ

كشف تفاصيل مثيرة و كاملة لـ"صفقة القرن"... وثيقة مسربة داخل وزارة الخارجية الإسرائيلية

إجماع فلسطيني على رفض مؤتمر البحرين..ومنظمة التحرير تعلن مقاطعتها لاجتماع البحرين

تل أبيب: السلطة ستنهار خلال 3 أشهر وشعبيّة عبّاس مُهينة ووصلت للحضيض وإسرائيل معنيّةٌ باندلاع الانتفاضة لتسهيل ضمّ أجزاءٍ من الضفّة الغربيّة

الرئيس السابق للموساد يكشف عن انسجام وتعاون جيدين مع عملاء الاستخبارات السعودية

واشنطن سترسل تعزيزات الى الشرق الاوسط وايران تعتبره “تهديدا للسلام والامن الدوليين” وتؤكد على ضرورة مواجهته.. والكويت تحذّر من تطورات متسارعة

تل أبيب: حماس تمتلك آلاف الصواريخ المُوجهّة بالليزر ومعلوماتنا عنها ضئيلةً وتُخطِّط لأسر طيّارين وضُباطٍ والاحتلال يستنفِر قوّاته لمنع عمليات الاختطاف

نتنياهو : نقيم علاقات مع كافة الدول العربية الا سوريا و نتطلع إلى قبول خطة ترامب وأمريكا قلقة على أمننا

استعدادًا لحرب لبنان الثالثة: كوخافي يُقيم ورشات عملٍ لجيش الاحتلال لإيجاد الـ”حلّ السحريّ” لسحق حزب الله… وتخوّف من ردٍّ إيرانيٍّ وسوريٍّ

روسيا وإسرائيل ستشكلان فريق عمل بمشاركة عدد من الدول لدراسة مسألة إبعاد القوات الأجنبية من سوريا..!!!

كوخافي يطلب من قادة الجيش إعداد خطة للانتصار في الحرب المقبلة

 
مواقع صديقة
نبض الوعي العربي
سورية العربية
الصفصاف
الاردن العربي
 آخر الأخبار |
   ترامب: نحن على أهبة الاستعداد للتعامل مع إيران بعد التطورات الأخيرة وسنرى ماذا سيحدث      معهد ستوكهولم لأبحاث السلام: إسرائيل تمتلِك 90 رأسًا نوويًا وتلتزِم بسياسة طويلة الأمد تتمثل بعدم التعليق على ترسانتها النوويّة      الاتحاد العام للأدباء الفلسطينييّن- الكرمل 48 يستكمل بناء هيئاته الوحدويّة؛      نتنياهو: سنشارك بمؤتمر البحرين و نجري اتصالات مع كثير من الزعماء العرب      لا نسعى إلى صراع مع إيران.. واشنطن تعلن إرسال ألف جندي إلى الشرق الأوسط       محمد مرسي يوارى الثري من دون مراسم تشييع بحضور أسرته في مدينة نصر في القاهرة عقب صلاة الفجر      تل أبيب: السيسي قادرٌ على استيعاب وقمع مُظاهرات واحتجاجات مؤيّدي مرسي والتحدّي الكبير يوم الجمعة بعد الصلاة      وفاة الرئيس المصري الاسلامي السابق د. محمد مرسي أثناء جلسة محاكمته اليوم إثر نوبة قلبية..و”الإخوان المسلمون” تعتبر وفاته جريمة قتل متعمدة      الحوثيون يستهدفون مطار ابها السعودي مجددا بطائرة “قاصف كاي تو” في رابع هجوم في اقل من اسبوع.. ووزير اعلامهم يهدد بتوسيع القصف ليصل الامارات      نتنياهو يدعو إلى فرض “عقوبات” على الفور ضد إيران في حال تجاوزت مخزونها من اليورانيوم المحدد لها بموجب الاتفاق النووي..      جنرال اسرائيلي: الفلسطينيون حذرون جدا و لن يتنازلوا عن استعادة أراضي 67      نتانياهو يدشن في الجولان المحتل مستوطنة جديدة باسم “رامات ترامب” تكريما للرئيس الاميركي      تـأمـلات فـي التأريخ واختلاق التاريخ الـدكـتـور عـبـد القـادر حسين ياسين      الأبعاد الاستراتيجية لمؤتمر البحرين د. عبير عبد الرحمن ثابت      أسرى معتقل عسقلان يبدأون إضراباً مفتوحاً عن الطعام      ابن سلمان: لا نريد حرباً ولكننا سنتعامل مع أي تهديد      ضغوط أم صفقة؟: الأردن ذاهب لمؤتمر البحرين و”يناور” حول المشاركة السعودية في الوصاية الهاشمية ويستقبل المزيد من الوفود..      تل أبيب: حزب الله نجح بإقناع المجتمع الإسرائيليّ أنّ لبنان مقبرة جيش الاحتلال مع عددٍ هائلٍ من القتلى وسيستفيد بأيّ نزاعٍ مستقبليٍّ من تأثير تهديداته الكابوسيّة      جنرال اسرائيلي سابق : نتنياهو يمنع الجيش من الانتصار على حماس بغزة      الأسرى والتجربة الجزائرية / بقلم الأسير المحرر د. رأفت حمدونة      فريق" الباء" يريد جر واشنطن لحرب مع طهران بقلم :- راسم عبيدات       دُكّوا عُروشَهُم بقلم : شاكِر فَريد حَسَنْ      إبراهيم ابراش أخطاء منظمة التحرير لا تبرر خطيئة الانقسام      لا ازدهار مع الاحتلال د.هاني العقاد      "ديسكو وبار حلال" في ملهى ليلي آخر صيحات الترفيه في السعودية!      إيران ترفض اتهام أمريكا لها بشأن الهجمات على ناقلتي نفط.. ومدمرة أمريكية تتجه لمكان استهدافهما في خليج عمان      دعوات لاغتيال قادة المقاومة مسؤول اسرائيلي : لو تم محو 40 مبنى شاهقًا في وسط غزة لما تم إطلاق الصاروخ      فجر الجمعة ... طائرات الاحتلال تشن عدة غارات على قطاع غزة      "أنصار الله" تعلن استهداف مطار أبها جنوبي السعودية بطائرات مفخخة      نظرية أمن فلسطينية بروفيسور عبد الستار قاسم     
مقالات وافكار 
 

الـمـَسـيـرة الـطـويـلـة إلى الحـُـرّيـة // الدكتور عبد القادر حسين ياسين

2019-05-20
 

 

 

التاريخ ليس حكراً على صانعيه بل هو تراث قومي وإنساني،

يستمد منه الإلهام وتستخلص العبرة وتستفاد الدروس.

والسيرة الذاتية التي يدونها صناع التاريخ ،

عنصر رئيسي في تدوين التاريخ ،

لأن الأقدار هيأت لهؤلاءالقادة أن يشكلوا مجتمعاتهم ،

ويسهموا في تقرير مصائرها بما أؤتمنوا عليه ،

من الدفـاع عن قضايا الأمة والتحدث باسمها ،

ورسم سياساتها لسنوات بعيدة لما تأت.

 

ومن هنا رأينا كثيرين من زعماء العالم ،

وزعيماته مثل إنـديـرا غـانـدي ومارجريت تاتشر ،

يحرصون بعد أداء رسالتهم العامة ،

على تدوين مذكراتهم أو سيرهم الذاتية ،

تجلية للحقائق الغامضة بشأن مسالكهم ،

أو كشفاً للمخفي من أسرار السياسة ،

أو دفاعاً عن المنهاج الذي ارتضوه في تسيير دفة البلاد ،

وربما أيضا لادعاء بطولات فارغة ،

انتحلوها تضخيماً لـذواتهم وإن كان المفروض في السيرة الذاتية،

أن تتسم بالصدق لأن كاتبها هو أدرى الناس بنفسه ،

وبكل ما صدر عنه من تصرفات خاصة أو عامة.

 

والسيرة الذاتية لنلسون مانديلا ،"المسيرة الطويلة إلى الحرية" ،

هي سيرة تنضح بالصدق لرجل نشأ في بيئة مدقعة الفقر ،

وكان أقصى مناه أن يعمل في مناجم الذهب في جوهانسبـيرغ ،

لا كعامل تنقيب وحفر ، بل في أي وظيفة إدارية ،

ولكنه كان يرتطم بالحواجز التي تنبهه إلى أنه إفريقي أسود السحنة ،

وأن البلاد تحكمها أقلية بيضاء تحتم على سكان البلاد الأصليين ،

والملونين والهنود ، أن تكون خطواتهم محصاة عليهم ،

فلابد من ترخيص للانتقال من مكان إلى مكان ،

ولا بد من تصريح للسير في أي منطقة ،

ولا بد من رخصة لركوب حافلة ،

فضلاً عن إلزامهم بالعيش في مناطق لايبرحونها ،

وحظر غـشيانهم للأماكن المخصصة للبيض.

وقوانين التفرقة العنصرية مسلطة عليهم ،

فإن خالفوها تعرضوا للمحاكمات ونتائجها معروفة سلفا ،

وهي الزج بهم في السجون.

 

يـقـظـة الحـِسّ الـنـضـالي 

 

لم يكن لـنلسون مانديلا أي اهتمام فعلي بالسياسة في شبابه الأول ،

ولا فـكـَّـر في الانتساب إلى أي جماعة تهدف إلى الـدفـاع عـن قومه ،

ولكن هذه الإجراءات التعسفـية أيقظت فيه الحس النضالي،

إذ كيف يرتضي لنفسه ولـقـومه كل هذا الذُلّ المؤبد ،

في حين أن الأرض أرضهم ، والبلاد بلادهم وهم السـُّـكان الأصلـيـون ،

في حين أن البـيـض قوم طارئون على البلاد ،احتلوها وتحكموا فيها ،

فهم السادة وكل من عـداهم عـبـيـد وكل القوانين تتحيز لهم وتجور على حقوق السود.

 

بدأ صاحب السيرة نشاطه السياسي الحزبي على اعتقاد خاطئ ،

بأن قضية بلاده يمكن أن تكتسب بالنضال السلبي ،

الذي كان أبرز دعاته المهاتما غاندي في الهند ،

فالاجتماعات والخطب والمظاهرات والاحتجاجات ،

هي السبيل الآمن المسالم إلى تحقيق الحرية ،

التي ينشدونها والظفر بالحقوق التي سلبت منهم.

 

ولكن حتى هذا المسلك السلمي لم يقابل من السلطات الغاشمة ،

إلا بمزيد من البطش ، سواء بتقديم مانديلا إلى المحاكمة ،

ثم الزج به في السجون أوبفرض حظر على تنقلاته ونشاطه ،

مع ملاحـقـتـه من جانب أذناب السلطة.

كان مانديلا في بادئ الأمر يدعو إلى إخراج البيض من البلاد،

لتصبح بعد ذلك خالصة لأهلها من الإفريقيين والملونين والهنود.

ولهذا أخذ يشن عـليهم حملات وصفها بقـوله:

 

"إن الحملة حـَرَّرتني من إنبهاري بقوة الرجـل الأبـيـض ،

ومؤسساته التي كانت تبدو لي وكأنها لاتقهر.

أما الآن فقد أذقـت الرجل الأبيض طعم لكماتي ،

وأصبح بإمكاني أن أمشي مرفوع الرأس ،

وأواجه الجميع بعـزة وكرامة نابعة من عدم إذعاني للظلم ،

أو استسلامي للخوف. أجل لقد بلغت رشدي كمناضل من أجل الحرية".

 

ولكن من أين يعـيـش المناضل؟

لا بد له من مورد رزق.

ومن هنا صار مانديلا يتابع دراسة القانون ،

ويعمل ككاتب في مؤسسة للمحاماة ،

مما هـيأ له ـ حتى قبل أن يغـدو مؤهلاً لممارسة المحاماة  ـ

أن يدافع عن زملائه المناضلين ، وهم يساقون إلى أجهزة التحقيق،

والمحاكمة التابعة للدولة.

 

وقد هـيأت له دراسة القانون ـ دون أن يتخلى عن نشاطه السياسي ـ

أن يقارن بين قـوانين حـقـوق الإنسان والشرائع المرعـية في بلاده ،

وأن يكون على بصيرة بحقوقه كلما تحرشت به قوى البغي ،

ورغـبت في التنكيل به باسم القانون أو في غـيابه.

 

في الوطـن مـُـتـَّـسـَع

 

وكلما ازداد انخراط مـانـديـلا في العمل السياسي ،

ازداد وعـياً بأن الظلم ظلم سواء اقـتـرف في حق أسود أو في حق أبيض ،

وازداد إدراكاً بأن الدعـوة إلى إخراج البيض من البلاد،

تتساوى في تعـسفها مع السياسة التي تنتهجها حكومة البيض،

في إخراج السود من جميع جوانب الحياة ،

ومن هـنا تغـيرت نظرة مانديلا إلى الحل المرتجى لبلاده ،

وصار يعـتـقـد أن الوطن يتسع لجميع من يعيشون فيه ،

من بيض وسود ، وأقـلـية وأكثرية ،

وكانت الثمرة الناضجة لهذا التفكير هي إصداره ميثاقاً ،

ينص على أن "الشعب ، كل الشعب ، هو الحاكم"،

وأن لجميع الأفراد "حقـوقاً متساوية"، بغـض النظرعن العرق ،

أو اللون أو الجنس وأن الدعـوة إلى التمييز "جريمة يعاقب عليها القانون"،

وأن جميع أبناء الشعب "شركاء في ثروة الوطن"،

وأن لجميع فئات المجتمع الحرية الكاملة في استعمال لغاتها الخاصة،

وحماية ثقافتها الشعبية وعاداتها. فالوطن "يتسع للبيض والسود"،

ولا عداوة بين هؤلاء وأولئك وليتضافر الجميع ،

في سبيل بناء صرح الوطن كأنداد أمام القانون والمجتمع".

 

ولكن حتى هـذه الدعـوة البصيرة لم تجـد استجابة من الحكومة القائمة،

التي شددت النكير على مانديلا وأعوانه ،

فصاروا يخرجون من اعتقال إلى اعتقال،

ومن محاكمة إلى محاكمة ، فهم في نظر السلطة طريدو العدالة.

وبعدما كان مانديلا يؤمن بأن النضال السلمي كفيل بتحقيق أهداف حركته،

أكدت له تجارب الحياة أن القـوة لاتـفـل إلا بالقـوة ،

والسلاح لا يقهـر إلا بالسلاح...

 

 سافـر مـانـديـلا إلى بلدان مجاورة سراً حيث تدرب على استخدام الأسلحة،

وهـرَب بعض أعـوانه إلى أوروبا لشراء السلاح ،

وهكذا انفجر الوضع في جنوب إفريقـيا: انفجارات هنا ، ومعارك دامية هناك،

فازدادت الحكومة شراسة ، وسقط كثير من الضحايا.

ولكن البلاد كلها التهبت برغـبة عارمة تنشد الحرية مهما تكن التضحيات.

 

وكان لا بد من تقـديم مانديلا إلى المحاكمة ، هو وكل المناضلـين معه،

فحكم عليهم بالسجـن المؤبد الذي قضوا فيه 28 عاماً ،

لم تزعزع إيمانهم ، ولا أوهـنـت عزيمتهم،

بل إن محاميهم رغـب في استئناف هذا الحكم ،

عساه يتمكن من تخفيفه أو إلغائه ،

ولكن مانديلا ورفاقه رفضوا ذلك تماماً ،

قائلين إنهم يرتضون العقوبة مهما كانت.

 

وفي تـفـسير هذا الموقـف قال مانديلا:

"قـررنا ألا نستأنف الدعـوى مهما كانت العقوبة،

صعق المحامون من ذلك الموقف  ،ولكننا كنا مؤمنين بأن الاستئناف،

سيـضعـف من موقـفـنا الأخلاقي المبدئي الذي اتخذناه من هذه القضية.

فـقـد أصررنا منذ البداية على اعـتـزازنا بما قمنا به من أعمال ،

وعلى أننا قـمـنا بها من منطلقات مبدئية أخلاقية ،

ولذا فـلـن نناقـض ذلك القول بالاستئناف ضد الحكم.

عـقـوبة الإعـدام ستـفـجـر رد فعـل جماهيرياً عارماً لم نكن نرغب في إجهاضه.

والاسـتـئـنـاف بعد ذلك الموقـف المتحدي الشجاع الذي اتخذناه في المحكمة،

سوف يكون صدمة ، بل وخيبة أمل كبرى ، للجماهير.

فالرسالة التي نريد توصيلها إلى الناس هي أن،

كل شيء يهـون في سبيل نضالنا من أجل الحرية".

 

في السجن ، أو على الأصح في السجون ،

لأن مانديلا ورفاقه كانوا ينـقـلون من سجن إلى آخر ،

عوملوا معاملة العـبـيـد في تكسير الحجارة وتنظيف مجاري المخلفات البشرية ،

والتعـرية في البرد القارس ، والحرمان من الطعام ،إلا ما يعافه الحيوان ،

ومنعهم من كتابة الرسائل أو استقبال الزوار إلا كل ستة أشهر ،

وعزلهم عن الدنيا فلا يقرأون صـحـفاً أو يصغـون إلى إذاعة."

 

حــُرّ بعـد السـَبـعـيـن

 

ولكن الـعـنـصـريـة التي ارتكبتهـا حكومة البيض في جنوب إفريقيا ،

ترددت أصداؤهـا في الخارج ، فأصدرت الأمم المتحدة عقـوباتها ،

على نظام الفصل العنصري ، وترددت في الكونجرس الأمريكي ،

وغيره من المؤسسات العالمية نداءات بالإفـراج عن المعتقلين ،ومعاقـبة المستبدين ...

 

ولـم يـكـن بـالإمـكـان ،  في "عالم متحضر"،

أن تستمر هذه السياسات العـنصرية إلى الأبد.

فسمحت حكومة جنوب إفريقيا لمانديلا بالتفاوض معها ،

وهي مفاوضات بدأت وهو ما زال في السجن وتكثفت عندما أطلق سراحه،

وقد تجاوز السبعين من عمره ، إلى أن انتهت باقـتـناع الحكومة بالنزول على حكم الشعب.

فأجريت انتخابات عامة سبقـتها دورات لتعليم أبناء القبائل ،

كيف ينتخبون للمرة الأولى في حياتهم ،

وأسفرت الانتخابات عن فـوز مانديلا بالأغلبية السـاحـقـة.

 

ولا تخلو سيرة هذا الزعـيـم الإفريقي من مواقف إنسانية تهز الضمائر.

فقد حكمت عليه حياة النضال والسجون أن يهمل والدته العجوز.

زارها ذات مرة وأيقظها من النوم ، فبدت له وكأنها رأت شبحاً.

وهو يصف هذا الموقف الإنساني بقوله:

 

"غمرتها السعادة ... ورغم سعادتي بالعودة انتابني شعور بالذنب،

لرؤية أمي تعيش بمفـردها في تلك الظروف التعـسة.

وتساءلت ـ ربما ليس للمرة الأولى ـ عـما إذا كان المرء ،

محقاً في التقـصير نحو أهله وأفراد عائلته للنضال من أجل رعاية الآخرين؟

هل في الدنيا أفـضل وأهم من أن يتولى الإنسان رعاية أمه العجوز؟

وهل العمل السياسي هو مجرد وسيلة لتبرير تخلي الإنسان عن مسئولياته ،

وعـذر لعجز المرء عن أن يقدم ما يستطيع بالأسلوب الذي يريده؟".

 

وقال في مناسبة أخرى:

 

"إن المرء في هذه الحياة عليه واجبان:

واجب تجاه أسرته ووالديه وزوجته وأبنائه ، وواجب تجاه قومه ومجتمعه ووطنه.

وفي المجتمع الإنساني السوي يستطيع المرء أن يوفق بين هذه الواجبات ،

بما تيسر له من إمكانات وقدرات.

أما في بلد مثل جنوب إفريقيا فمن المستحيل ،

على رجل من أصلي أو لوني أن يفي بحقوق الجميع.

فالملـوَّن في جنوب إفريقيا إن حاول أن يعيش إنسانا عوقب وأقـصي.

وإن أراد أن يفي بواجبه تجاه وطنه حرم من أسرته وبيته ،

وعاش حياة مشتتة تغلفها السرية والتمرد.

ولم أختر منذ الوهلة الأولى أن أضع قومي قبل أسرتي ،

ولكنني عندما حاولت أن أخدم قومي وجدت نفسي محروماً ،

من الوفاء بواجبي نحو أسرتي: ابناً وأخاً وأباً وزوجاً".

 

توفـيت والدته وهو في السجن ، فـمنع من تشييع جنازتها أو زيارة قبرها.

وقـتـل نجله في حادث سيارة ، فحيل بينه وبين توديعه الوادع الأخير.

وكانت زوجته الأولى قد انفـصلت عنه فـتزوج "ويني" ،

التي تعرضت بدورها للسجن والاعتقال والتعذيب ،

فلما أفـرج عـنه انفـصل عنها مع أنها أم أولاده.

 

قـدر من الإنـسـانـيـة

 

ومن المواقف الإنسانية لمانديلا في السجن عطفه حتى على سجانيه ،

فقد كان يدرك أنهم يأتمرون بأمر رؤسائهم،

وأن البطش ليس من طبيعتهم فكان يعذرهم إن شددوا عليه النكير.

وفي "الدفاع" عن حارسه قال مانديلا:

 

"في أعماق كل إنسان ، حتى أكثر الناس وحشية وقسوة ،

قدر من الإنسانية ...

وبإمكان كل إنسان أن يتغير إذا لمست جوانب الخير في قلبه ونفسه.

لم يكن الحارس شريراً بكل ماتعـنيه تلك الكلمة ،

ولكن وحشيته فرضت عليه من قبل نظام غير إنساني.

كان يتصرف بوحشية لأنه كان يلقى مكافأة على وحشيته".

 

وقد تـنـاول مانديلا في سيرته عشرات أو مئات من الأشخاص،

الذين تعامل معهم ، سواء كانوا من أنصاره أو من خصومه ،

وحاول إعطاء كل ذي حق حقه ،

فكان منصفاً للأعداء والأصدقاء على السواء ،

ولم يكن ينبعث في الكلام عن خصومه عن غـل أو حقد ،

وإنما كان يجتهد في تصويرهم على حقيقتهم تاركاً للقارئ أن يحكم عليهم.

 

فالتسجيل الأمين للتاريخ قضى عليه أن يقول كلمة حق ،

في كل من كان له دور في الحياة العامة تعامل معه مانديلا.

ومن الإنصاف ألا ينسب النجاح كله إلى شخص بل أن يوزع الأنصبة،

على العاملين كل بحسب حجمه في هذا النضال.

 

ويختم مانديلا سيرته الملهمة بالتغني بالحرية ،

ولا يعرف قيمة الحرية إلا من جرب السجون ،

والمنافي والقيود والسدود ،وفي هذا يقول:

 

"إن الحرية لاتتجزأ. فالأغلال التي تقيد واحداً منا تقـيدنا جميعاً.

والأغلال التي تقيد قومي هي أغلال تقـيدني...

الحرية ليست مجرد التخلص من الأغلال ،

ولكن الحرية أن تعيش حياة تحترم فيها حرية الآخرين وتعززها..

لقد سـرتُ على طريق الحرية الطويل ، وبذلت جهدي كي لا أتداعى،

أو أسقـط وإن تعـثرت خطواتي أحياناً.

ولكنني اكتشفت سراً يقول:

إن الإنسان الحر كلما صعـد جبلاً عظيما ، وجـد من ورائه جبالاً أخرى يصعدها.

والآن فإنني أستريح ، ولكنها استراحة محارب ،

أستمتع فيها بما حولي من أمجاد ، وألقي ببصري إلى الوراء ،

أتأمل الطريق الذي قطعت.

استراحة المحارب قصيرة لأن للحرية تبعاتها ،

ولا يسعـني الانتظار لأن رحلتي طويلة لم تـنـتـه بعـد".

 

وعلى يدي مانديلا خرجت بلاده من الظلمات إلى النور ،

وصارت دولة تحترم القانون ولها في المجتمع الدولي مكانتها.

وجـَفـَّـت بحار الدماء التي غطت أديمها ،

وصار الناس آمنين على مالهم وحياتهم وأعراضهم.

ولكن الثمن الذي دفع في هذا السبيل كان باهظاً جــداً...

وبـعــد ،

لـقـد أمـضـى نـلـسـون مـانـديلا حـيـاتـه،

مقاتلاً بغير سلاح إلا إصراره على حقـه في بلاده،

وإيمانه بشعـبه، واستطاع أن يحفظ للنـضـال قـدسيته،

فـلم يتنازل ولـم يفـرط ....

 

 

 

 
تعليقات