أمجاد العرب
صحيفة الكترونية يومية amgadalarab.48@gmail.com
ألصفحة الرئيسة
أخبار .. بيانات
ملفات اخبارية
مختارات صحفية
كورونا حول العالم
بيانات و تصريحات
تحت المجهر
كواليس واسرار
كورونا
مقالات وتحليلات
مواضيع مميزة
مقالات وافكار
تقارير دراسات
ادب وثقافة
منوعات
الأسرى
كلمة الأمجاد
راسلنا
من نحن
 
كلمة الأمجاد
هوامش على إعادة العلاقات الفلسطينية- الإسرائيلية بقلم: شاكر فريد حسن
 
المتواجدون حالياً
 
المتواجدون حالياً :
 
 28
 
عدد الزيارات : 44006784
 
عدد الزيارات اليوم : 11652
 
أكثر عدد زيارات كان : 76998
 
في تاريخ : 2014-04-20
 
 
مقالات
 
مواضيع مميزة
إعلام إسرائيلي: الهدف من التطبيع بناء حلف إقليمي لمواجهة إيران وكبح تركيا وقطر

مصدر إسرائيلي: بن سلمان ولي العهد الأكثر دعماً لـ”إسرائيل” في النظام السعودي ولو كان الأمر مرتبطاً به لكان حصل التطبيع

اتهّم نتنياهو بالمسؤولية.. رئيس الموساد الأسبق يُحذّر من اغتيالٍ سياسيٍّ تعقبه حربًا أهليّةً خطيرةً ويؤكِّد: الحاخامات يُحرِّضون المؤمنين ويُصدِرون فتاوى تُجيز القتل

الامين العام للامم المتحدة غوتيريش يحذر: كورونا خارج السيطرة.. والعالم يحترق!

نتنياهو يُؤكّد بأنّ دولاً في المِنطقة ستحذو حذو الإمارات وتُوقّع اتفاقيّات تطبيع مع إسرائيل قريبًا.. ويُوافق على حلٍّ وسط يُرجِئ المُوازنة ويَحول دون إجراء انتخابات جديدة

“الدم والنفط”.. كتابٌ جديد يروي قصّة صُعود محمد بن سلمان إلى الحُكم.. تعذيبٌ وزيّ خاص للمُعتقلين لتغذية شُعوره بالسّطوة والقوّة..

روحاني: المخططات والمؤامرات الأمريكية للسيطرة على إيران باءت بالفشل 100 بالمئة والعقوبات لم تمنعنا من التقدّم

الميادين: معركة شرسة داخل الجامعة العربية وتحركات للحجر على القضية الفلسطينية وقبول “صفقة القرن” بعد رفض طلب لعقد اجتماع طارئ لرفض التطبيع والبحرين تهدد

السيد خامنئي..الإمارات خانت العالم الإسلامي، وخانت الدول العربية ودول المنطقة، وكذلك خانت القضية الفلسطينية، هذه الخيانة لن تدوم طويلاً لكن هذه الوصمة ستبقى عليها

مفاوضات حاسمة بين إيران والدول الكبرى حول الاتفاق النووي مع تزايد الضغوط على الولايات المتحدة.. عراقجي يؤكد: العالم بأسره يراقب ما الذي ستفعله الدول الأعضاء ضد واشنطن وسنحدد مسارنا للتعاون

فيلم وثائقي مدعّم بشهادات علماء نفس يشخّص ترامب بأنه .“نرجسي خبيث” ويحذرون الأميركيين من أربعة عوارض: اضطراب الشخصية الاكثر تدميرا تشمل البارانويا والنرجسية

نتنياهو : مستعد للتفاوض مع الفلسطينين على اساس خطة ترامب وزرت بلدان عربية سرا

الجنرال غلعاد يكشِف: قلتُ دائمًا لنظرائي العرب إنّ التفوّق النوعيّ لإسرائيل يُعمِّق الاستقرار والسلام والسيسي أنقذنا من تهديدٍ استراتيجيٍّ واسعٍ وعظيمٍ

 
مواقع صديقة
نبض الوعي العربي
سورية العربية
الصفصاف
مدارات عربية
 آخر الأخبار |
   هل نعى ترامب مادونا بدلا من مارادونا؟      فرض الاغلاق على يافة الناصرة وأم الفحم وتمديده في مجد الكروم وكفرمندا وعرابة      بوغدانوف: بايدن قد يتخلى عن "صفقة القرن" ..ولا مجال الا حل الدولتين والتعايش السلمي بين اطراف الصراع      حذر منه نتنياهو...اليوم الجمعة أنباء متضاربة عن اغتيال أكبر عالم إيراني متخصص بالصواريخ النووية..مسؤول البرنامج النووي فخري زادة..      اسرائيل: اتصالات بين الليكود و"كاحول لافان" خلف الكواليس لمنع الانتخابات      سـَيـْبـَويـه لـم يــَكـُـن عـَـربـيـَّاً..! // الدكتور عـبدالقادرحسين ياسـين      جواد بولس //النائب عن الحركة الاسلامية، منصور عباس، ولافتة قف      ترامب: ساغادر البيت الأبيض إذا صدق المجمع الانتخابي على فوز بايدن وتسليم لقاح كورونا يبدأ الأسبوع المقبل      بدءًا من الأحد: السماح بعودة طلاب الثانويات في البلدات الخضراء والصفراء      مُنسق مكافحة كورونا في الحكومة الإسرائيلية، نحمان إش... "خطر كورونا قائم لعام إضافي على الأقل وإمكانية الإغلاق حاضرة"      نتنياهو: للأسف ذاهبون إلى انتخابات جديدة اذا لم يغير كحول لفان نهجه ويتعاون مع الحكومة      مع "همسات وتغاريد" الكاتبة والشاعرة عدلة شدّاد خشيبون بقلم: شاكر فريد حسن      اطلاق نار على فروع بنوك في الرامة ، نحف ، دير حنا وعرابة ومحلات في ‘ بيج ‘ كرميئيل      كورونا: معدل وفيات قياسي بأميركا وتحذير من موجة ثالثة بأوروبا      ترامب يدعو أنصاره إلى “قلب” نتيجة الانتخابات الرئاسية ويتحدث عن فوزه في سائر الولايات المتأرجحة.. وبايدن يقول إنّ الأميركيين “لن يسمحوا” بعدم احترام النتائج الانتخابية      الحرس الثوري يرد على احتمالات تنفيذ أمريكا عملا عسكريا ضد إيران: الحرب العسكرية خارجة عن خيارات الجيش الأمريكي.. والجيش الإيراني يكشف عن قدرات صواريخ بلاده البحرية      9422 اصابة نشطة بفيروس كورونا في اسرائيل - 2826 حالة وفاة      خاض الإضراب عن الطعام "نيابةً عن شعبنا وأسرانا" شاهد.. الاحتلال يفرج عن الأسير ماهر الاخرس      إشكالية التطور والخوف من الحداثة والتحديث ..! بقلم د. عبد الرحيم جاموس      فصائل المقاومة تؤكد: تجريم أي إجراءات عقابية تنوي السلطة فرضها ضد قطاع غزة      موقع "واللا" الإلكتروني عن مسؤولين إسرائيليين مطلعين اليوم... الحكومة الإسرائيلية للجيش: استعدوا لاحتمال هجوم أميركي قريب في إيران      الشرطة الاسرائيلية تعلن استشهاد فلسطيني بزعم قيامه بعملية دهس قرب حاجز عسكري على مداخل القدس الشرقية المحتلة      عبد الباري عطوان //هل اقتربت الضّربة لإيران بعد إعلان حالة التأهّب القُصوى في صُفوف الجيش الإسرائيلي ووصول القاذفة العِملاقة “B52” إلى الخليج؟      وفاة أسطورة كرة القدم الأرجنتيني دييجو أرماندو مارادونا عن عمر ناهز 60 عامًا      بعد تلميح عضو الكنيست منصور عباس عن امكانية خروجه من المشتركة..مطانس شحادة :‘ منصور عباس اختار قناة المستوطنين لإعلان انشقاقه عن المشتركة‘.      الكورونا يتفشى من جديد في البلدات العربية : نسبة الفحوصات الإيجابية 6.2%      وكالة الانباء السورية "سانا" ..طيران الاحتلال الاسرائيلي يقصف جبل المانع قريب دمشق والدفاعات السورية تتصدى للعدوان      “تصفية” محمد بن سلمان .. صحيفة عبرية تفجر مفاجأة عن عودة الأمير محمد بن نايف      مركز الأمن القوميّ: المصالح الإسرائيليّة السعوديّة بعد ترامب هي بطاقة ائتمان بن سلمان بواشنطن والتطبيع ومحاولة وقف الحرب ضدّ اليمن وتسهيلات شكلية في حقوق الإنسان ستُرضي بايدن      بايدن يؤكد أن رئاسته لن تكون ولاية ثالثة لأوباما ويكشف ما سيفعله مع ترامب بعد مغادرة السلطة     
تقارير دراسات  
 

النظرية الاقتصادية القاسمية الاقتصاد السياسي: النمو والعدالة في مواجهة قمار وخداع الرأسمالية الليبرالية الحديثة (2) // الأستاذ الدكتور عبد الستار قاسم

2020-11-21
 

تخريب كوكب الأرض

 

الرأسمالية الليبرالية الحديثة هي العدو الأكبر لكوكب الأرض بسبب صناعاتها الضخمة الملوثة، وجشعها في جني الأرباح واستهلاكها المتنوع والمتزايد مع الزمن. الرأسمالية الليبرالية الحديثة هي أكبر ملوث لبيئة الكرة الأرضية، فهي التي تلوث الأجواء وتسبب الدمار الأكبر لطبقة الأوزون. إنها تساهم مساهمة كبيرة في رفع درجة حرارة الأرض ما يؤدي إلى ذوبان الثلوج والجليد في القطبين الشمالي والجنوبي. وهي تساهم في ارتفاع منسوب البحار ما يهدد مدنا ساحلية عديدة على اتساع الشواطئ العالمية. وهي مسؤولة بدرجة كبيرة عن تلويث البحار، وتهديد الثروة السمكية العالمية بالمواد البلاستيكية التي يتم إغراقها في قيعان البحار. وهي التي تلوث مياه الأنهار والينابيع والبحيرات، وتعتدي على الثروة الشجرية فتقتلع الأشجار وتقلل من مساحات الغابات. الرأسمالية هذه تستنفذ المواد الخام في العالم، وتلجأ في النهاية إلى التصنيع الكيميائي الذي يبعث في الطبيعة المزيد من التلوث.

والرأسمالية وبسبب تركيزها على الاستهلاك وضخ المزيد من البضائع والسلع في الأسواق، وتقليلها من شأن المرأة والإنسان عموما بسبب إباحيتها واستعمال الإنسان كأداة تجارية، وبسبب تشجيعها لاقتناء الحيوانات داخل البيوت، واستهتارها بالصحة العامة للناس ولدت أمراضا غير تقليدية مثل الإيدز وفايراسات كوفيد، وغيرها. لقد ألحقت أضرارا صحية جمة للإنسان، وهي تسبب البدانة والسمنة بسبب مخترعاتها الغذائية التي لا تتوقف عن التزايد والتنوع.

وفضلا عن كل ما سببته من أخطار تتهدد كوكب الأرض، فهي تتسبب بإساءة العلاقات العامة بين الناس بسبب سعيها المستمر لتحقيق الأرباح على حساب المنظومة الأخلاقية والعلاقات الإنسانية .

وإذا تتبعنا سلوك الدول الصناعية الرأسمالية الكبرى نجدها قليلة الاكتراث بالبيئة والصحة العامة. وأكبر دليل على ذلك سلوك الولايات المتحدة التي ترى في مراعاة مناخ الأرض والبيئة تكلفة عالية تؤثر على مستوى الأرباح، وقررت الخروج من الاتفاقية . هذه الدول هي الأكثر إساءة للكوكب، لكنها الأقل تحملا للمسؤولية.

وإذا كان للعالم أن يصحح الأوضاع البيئية ويحرص على سلامة الكوكب فإنه يتوجب عليه وضع قواعد جديدة للتعامل مع الطبيعة، وتطوير اتفاقيات تحت إشراف الأمم المتحدة من شأنها التخفيف من الأضرار البيئية. ومن المهم أيضا الحرص على حسن توزيع الثروة بحيث يكون القضاء على الفقر هدفا أسمى، والتقليل من الاستهلاك الذي يتغذى على الثروات في حين يقضي بعض الناس جوعا. الاستهلاك العالمي يتطور ويتنوع ويرتفع كلفة وكله يؤثر على الصحة العامة ويركز على المعدة التي هي بيت الداء.

 

الخلاصة

 

الحصاد دائما من جنس البذار، والجشع يقتل الناس أولا، وقد يقتل صاحبه ثانيا. الأزمة المالية العالمية هي نتاج تخطيط الرأسماليين القائم على هدف الأرباح والمتغاضي عن قيم إنسانية أخرى يؤدي غيابها إلى خلل في التوازن الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. لقد حصل خلل كبير على الساحة الدولية من الناحية الدولية مما أدى إلى هذه الحالة الاقتصادية الصعبة والتي تشهد تراجعا في النمو وارتفاعا في نسب البطالة في أغلب الدول. هذه حالة تستدعي إعادة النظر في العديد من الأسس والمرتكزات الأخلاقية للعمل المالي والنشاط الاقتصادي، لكنني لا أرى أن العالم الغربي بقيادة الولايات المتحدة مؤهل للقيام بهذه المهمة أو راغب في القيام بها.

والمتوقع أن مزيدا من الدول ستصبح مدينة للمؤسسات المالية الدولية وللدول الثرية وللمؤسسات المحلية. وتلك المدينة الآن سيرتفع مستوى مديونيتها. دول كثيرة لم تعد قادرة على تطوير إنتاجها بسبب منافستها الضعيفة وعدم قدرتها على انتهاج سياسة اقتصادية حمائية. حتى أن بعض الدول غير قادرة على سداد فوائد الديون المترتبة عليها.العصا الأمريكية تراقب كل من يخل بتعليمات منظمة التجارة العالمية ويرفض الانسياق وراء التنافس التجاري غير المتكافئ. والهدف في النهاية هو تركيز رأس المال بيد الدول الغربية وبالأخص الولايات المتحدة ومجمل النشاطات الاقتصادية التي تقوم بها الولايات المتحدة لا تختلف جذريا عن النشاطات الاقتصادية والمالية التي يقوم بها الثري الكبير داخل دولته من أجل تركيز رأس المال، إنما أدوات ووسائل تركيز رأس المال على المستوى العالمي تختلف عن أدوات ووسائل الرأسمالي التقليدي داخل دوله أو مجتمعه. ومثلما يعمل الرأسمالي التقليدي على تدمير القاعد الأخلاقية لمجتمعه من أجل إحداث تمزيق اجتماعي متناسب مع طمعه في جني الأموال، يعمل نظام الرأسمالية الليبرالية الحديثة على تدمير المنظومات القيمية الأخلاقية للمجتمعات. الرأسمالية الليبرالية الحديثة تسير بالإنسان نحو الظلامية التنويرية التي تتغطى بالمخترعات الحداثة والتطوير العلمي في تنفيذ سياساتها نحو التمزيق المجتمعي والتدهور الأخلاقي والتيه الفكري وانحطاط الوعي الإنساني.

وماذا عن الدول الأخرى  التي من المفروض أن تكون مستهلكة؟ أي التي من المفروض أن يكون لديها بعض المال لإشباع أطماع أصحاب الرأسمالية الحديثة؟ هذه دول تجني أموالا من ثرواتها التي لا تسيطر عليها تماما. لها نصيب من ثرواتها، وللشركات العالمية العملاقة نصيب كبير يذهب جزء لا بأس به منه إلى الخزانة الأمريكية بصورة ضرائب. هذه الأموال التي تحصل عليها الدول والشعوب من ثرواتها الطبيعية سيعود أغلبها إلى الدول التي تشتري الثروات بطرق مختلفة مثل شراء الأسلحة والمعدات الطبية الحديثة، وأدوات الاتصال، وغير ذلك.

أي أن دول الرأسمالية الليبرالية الحديثة تبقى مشغولة بتطوير صناعاتها في مختلف المجالات لتستنفذ ميزانيات الدول الضعيفة وتستنزف ميزانيات الأفراد. وهنا لا بد من الإشارة إلى اقتصادات الترفيه وإلهاء الناس عن قضاياهم الخاصة ومجمل القضايا العامة، وإشغالهم بالنزاعات والخصومات والحروب. صناعة الترفيه والرفاهية لدى الدول الغربية عمل استثماري ضخم ومربح جدا، ومن خلالها تتحكم إلى حد كبير بسلوك الناس في مختل دول العالم، وتوجه بها نفقاتهم. وهذا يعني أن الأفراد سيتسابقون على لآخر المستجدات في مختلف الصناعات مثل السيارات الفارهة وأجهزة الاتصال والعطور والفنادق والمطاعم، الخ.  وسيتهافتون أيضا على المصارف للحصول على قروض ينفقونها استهلاكيا وليس إنتاجيا. وبذلك ترتفع قيمة الفواتير التي على الأفراد والدول تسديدها. وفي النهاية تصاب ميزانيات الأفراد والدول بالعجز، وينتهي الجميع إلى المزيد من المديونية.

هذا ناهيك أن تكلفة الإنتاج الرأسمالي تنخفض من حيث أن الشركات العالمية الكبرى تستغل الأيدي العاملة في الدول الفقيرة لتكون منافسة بقوة لإنتاج الغير. وبسبب سوء الإدارة المالية والإدارية في الدول الفقيرة، وبسبب قلة وعي الناس بآليات عمل الدول الرأسمالية الليبرالية، توظف الأيدي العاملة الرخيصة نفسها في خدمة الرأسمالية الليبرالية الحديثة لتبقى هي تحت وطأة دول الاستكبار العالمي.. أي أن عمال الدول الفقيرة لا يختلفون عن عامل ماركس الذي ينتج أدوات أو سلع قمعه. إنه ينتج عوامل ضعفه من حيث أنه ينتج لرأسمالي ضخم ليزداد قوة وليرتفع مستوى هيمنته على الآخرين واستغلاله لهم.

وعليه، لا نأخذ مقولات حقوق الإنسان التي تتحدث بها أمريكا ومجمل الدول الغربية بجد. الرأسمالية غير معنية بحقوق الإنسان، وإنما يتدمير الإنسان. وقضايا حقوق الإنسان مطروحة لأسباب سياسية وليس لأسباب أخلاقية.

 

 

 

الحل

 

من الملاحظ أن الرأسمالية تتمتع بقدرة على التكيف، وتعمل على إيجاد حلول للمشاكل التي تعترضها. هذا منطقي جدا لأن الرأسماليين حريصون على مصالحهم الخاصة، وهم ليسوا على استعداد لترك الأوضاع الاقتصادية تتدهور إلى درجة الانهيار التام. ولهذا استجابوا لضغوط العمال ولمطالب النقابات العمالية عبر الزمن وبطريقة تدريجية. لم تكن استجابتهم فورية ووفق إرادة العمال، لكنهم اتبعوا آلية الحوار، وعملوا على تقليل ثمن استجابتهم للمطالب العمالية والنقابية بقدر الإمكان. وواضح أنهم استطاعوا تجنب اضطرابات عاصفة في الكثير من الدول، وحالوا دون قيام ثورات تقلب الطاولة على مصالحهم المالية والاقتصادية، واستطاع العمال في أغلب الدول الصناعية تحسين ظروفهم عملهم ومعيشتهم.

 

لكن قدرة الرأسمالية على التكيف ومرونتها في الاستجابة للضغوط لم تمنع التقلبات الاقتصادية الحادة من الوقوع، ولم تحل دون تعريض العالم وعموم الناس بخاصة من الطبقتين الفقيرة والمتوسطة من دفع ثمن باهظ نتيجة هذه التقلبات. لقد لحقت بالناس وبالعالم خسائر كبيرة بسبب الكساد الكبير لعام 1929، وكذلك بسبب الأزمة المالية الضخمة لعام 2008. تضرر أصحاب الدخول المحدودة إلى درجة أن أعدادا كبيرة من الأمريكيين اضطروا أن يخرجوا من مساكنهم المرهونة ليعيشوا في خيام تحت ظروف معيشية صعبة للغاية. ومع كل تقلب اقتصادي حاد تطفق الدول الرأسمالية باحثة عن حل ينقذها من الانهيار التام.

 

على مدى عشرات السنين والبحث عن حل جارٍ في داخل الرأسمالية وليس خارجها. بعد الكساد الكبير، رأى علماء الاقتصاد أن المشكلة الأساسية تكمن في اقتصادات حرية العمل Laissez Faire economy، ولهذا نبهوا إلى ضرورة تدخل الحكومة المحدود لكي يشكل صمام أمان ضد الفوضى الاقتصادية التي تنجم عن حرية السوق. ولهذا اتخذت الحكومات الغربية وعلى رأسها حكومة الولايات المتحدة قرارات سمحت للحكومة بالتدخل في الشؤون الاقتصادية من الناحيتين المالية والنقدية. وقد أصبحت هذه الحكومات في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين أكبر جهة إنفاقية في الدولة، وذلك لكي تخلق فرص عمل لملايين العاطلين.

 

فسرت الدول الرأسمالية الكبرى الأزمة المالية العالمية لعام 2008 على أنها خلل كبير في السيولة بسبب عجز الجمهور عن الوفاء بالتزاماتهم المالية للمؤسسات المالية، وكانت البداية في قطاع العقارات. تجاوزت التزامات جمهور الناس المالية قدرتهم على الوفاء بسبب عدم التناسب بين الدخل والالتزام والذي نجم عن تهور المؤسسات المالية في منح القروض دون ضمانات كافية لتأمين السداد. فكرت هذه المؤسسات كثيرا بالأرباح التي تجنيها لقاء التوسع في التسهيلات المالية فوجدت نفسها بلا مال. هنا تدخلت الحكومات بخاصة حكومة الولايات المتحدة لتقديم مئات بلايين الدولارات للمؤسسات المالية والاقتصادية لتمنع انهيارها. وهنا تتمثل مهزلة الحل وهي أن الذين سببوا الأزمة هم الذين حصلوا على الأموال لكي يبقوا واقفين على أقدامهم، وإلا حصلت كارثة أعظم. صحيح أن حكومة الولايات المتحدة تكفلت بسداد ديون بعض الناس للمؤسسات العقارية، لكنها لم تضع حلا نهائيا يجنب الاقتصاد الأمريكي والاقتصاد الرأسمالي المخاطر ويحول دون هزات اقتصادية مستقبلية خطيرة.

 

فشل الحل من الداخل

 

المشكلة أن البحث عن الحلول ما زال يدور ضمن الرأسمالية ذلك لأن القائمين على شؤون العامة يؤمنون بالرأسمالية كنظام اقتصادي أمثل، ويؤمنون بأن النظم الاجتماعية والسياسية والثقافية والفكرية السائدة في الدولة يجب أن تتوافق مع النظام الرأسمالي. أي أنهم يصرون على أهمية انعكاس القيم الرأسمالية على النظم الأخرى لتحقيق الانسجام العام والمحكوم برؤى الرأسماليين. واضح أن السياسيين يتبنون الفكر الرأسمالي، ويتساوقون مع المضامين الرأسمالية أكثر مما يتساوقون مع المضامين الإنسانية.

 

تعاني الرأسمالية من خلل تركيبي ينبثق إلى أزمات بين الحين والآخر، في حين أن المعالجات التي تتم عبارة عن معالجات عرضية لا تمس تركيب الرأسمالية. ولهذا تبقى المعالجات العرضية ذات تأثير محدود ومؤقت، ويبقى الخلل التركيبي قائما لينفجر بين الحين والآخر. أساس الخلل التركيبي هو مراكمة الأرباح والتي تشكل القاعدة الأساسية لمختلف الترتيبات النظرية والعملية للنشاط الاقتصادي الرأسمالي، أما العرضي فلا يمس فكرة الأرباح، وإنما يتناول فقط كيفية تجاوز الأزمات إجرائيا وليس مبدئيا.

 

الأساس الربحي يقيم منظومة من القيم الأخلاقية مرتبطة بالهدف، ووفقها يتم ترتيب العلاقات العامة في المجتمع. هذه منظومة لا ترتكز على أبعاد إنسانية توازن بين المصلحة الشخصية والمصلحة العامة، وإنما تترك المصلحة العامة كنتاج للمصلحة الخاصة. إنها تقول إن المصلحة العامة تتحقق إذا قام كل فرد بالسعي الحثيث لتحقيق مصلحته الخاصة لأنه بذلك تقام المصانع والمزارع وتتوفر فرص العمل للجميع مما يدفع بالنشاط الاقتصادي إلى الأمام. هنا يكمن الخلل حيث أن ترتيب العلاقات العامة بما فيها العلاقات الاقتصادية يقوم على مبدأ المصلحة الخاصة أولا، ومن ثم تكون المصلحة العامة على هامش هذه الترتيبات. هناك فارق كبير بين العلاقات التي تنبثق عن مبدأ الأرباح أو المصلحة الخاصة، وبين تلك التي تنبثق عن مبدأ المصلحة العامة، أو مبدأ التوازن بين المصلحتين الخاصة والعامة.

 

وعليه فإن الإجراءات التي يتم اتخاذها من أجل مواجهة الأزمات التي تولدها الرأسمالية تبقى ذات مفعول عرضي لا يمس تركيبة النظام الاقتصادي وما ينبثق عنه من منظومة أخلاقية، ويبقى المفعول مؤقتا.

 

الملكية الخاصة والأرباح

 

الملكية الخاصة بحد ذاتها ليست المشكلة الحقيقية، وإنما هوس الأرباح هو المشكلة. الملكية الخاصة عبارة عن آلية بينما الأرباح عبارة عن هدف، وهي الهدف الوحيد للرأسمالي كما أسلفنا. من الناحية المبدئية، الملكية الخاصة مشروعة، وكذلك الأرباح لأن الأولى تشكل نوعا من الإشباع النفسي، والثانية عبارة عن حافز قوي لاستخدام آلية الملكية الخاصة. فإذا تركنا الناس يبحثون عن الملكية الخاصة بدون ضوابط، ويسعون وراء مراكمة الأرباح بدون كوابح فإن النتيجة هي الجشع الذي لا حدود له، والذي يمكن أن يدمر الاقتصاد والبنى الاجتماعية والثقافية والفكرية.

 

هنا يجب أن نميز بين الأرباح بصورة عامة، وبين الأرباح التي تتحقق عن طريق الإنتاج وتقديم خدمات حقيقية للناس. هناك أرباح تتحقق بسبب عمل مباشر وجهد حقيقي يقوم به الشخص من أجل كسب الرزق، وهي أرباح مشروعة ويجب تشجيعها لأنها أساس البناء الاقتصادي وأساس اعتماد الإنسان على نفسه، وهناك أرباح تقوم فقط على أكتاف الناس دون أن يكون هناك جهد عملي حقيقي منتج، وهي أرباح غير مشروعة. فمثلا يحقق تجار أرباحا في عرض البحر من خلال التبادل التجاري لبضائع لم تصل إلى أي ميناء، وكل تاجر يحقق أرباحا تتراكم في النهاية على رؤوس المستهلكين. قد يشتري تاجر الكيلوغرام من السكر من كوبا بمبلغ عشرين سنتا، لكنه يبيعه في عرض البحر لتاجر آخر فيصبح سعر الكيلو 30 سنتا، ويشتريه ثالث في عرض البحر أيضا فيصبح سعره 40 سنتا. ما أن يصل الكيلو إلى يد المستهلك حتى يكون سعره قد وصل 75 سنتا. من هم هؤلاء الذين استفادوا من الكيلوغرام؟ ربما ليس الفلاح الكوبي الذي يكد ويشقى ليل نهار ليؤمن لقمة خبز لأطفاله، وبالتأكيد ليس المستهلك. المستفيدون في الغالب هم التجار الذين لم يقدموا خدمة حقيقية للناس، ولم يقوموا بأي عملية إنتاجية. هؤلاء يحققون أرباحا عبر الفاكس أو رسائل الخلويات والشبكات الإليكترونية وهم يسترخون في مكاتبهم الفاخرة المكيفة، ويتداولون التحويلات المالية عبر المصارف العالمية دون أن يرى أحدهم دولارا واحدا.

 

كان من الممكن أن يُشترى الكيلوغرام الواحد من السكر من الفلاح بمبلغ أفضل من 20 سنتا، قل 25 سنتا، فيتحسن وضع الفلاح الكوبي، وكان من الممكن أن يصل الكيلوغرام إلى المستهلك في أذربيجان بسعر 50 سنتا. هناك 25 سنتا تذهب إلى جيوب الجشعين الذين هم في الحقيقة عالة على الإنسانية، ويسببون الكثير من المشاكل الاقتصادية في النهاية مثل التضخم المالي، وزيادة أعداد الفقراء.

 

على ذات الشاكلة أسوق مثلا من فلسطين حيث يتعب الفلاح ويكد من أجل لقمة الخبز. يبيع الفلاح الفلسطيني أحيانا صندوق الفلفل الأخضر للتاجر بمبلغ دولار وربع فقط، وينتقل الصندوق من يد تاجر إلى آخر ليصل للمستهلك وسعر الكيلوغرام الواحد 0,75 دولار. إذا كان وزن البضاعة في الصندوق 10 كيلوغرامات، فإن الكمية تباع بمبلغ سبعة ونصف دولار. أي أن الذين لا ينتجون يربحون ستة وربع من الدولارات، في حين لا يغطي الفلاح تكاليف الإنتاج ويبقى مدينا لتاجر البذار وتاجر المبيدات، الخ.

 

أما وقد ظهرت البضاعة الصينية في العالم، فإننا نرى أن السلعة التي يشتريها التاجر من مصدر إنتاجها بدولار واحد تباع بمبلغ ثمانية دولارات. فإذا أخذنا بعين الاعتبار أجرة شحن السلعة من الصين إلى نيجيريا مثلا والتي قد تبلغ سنتين فقط، وأجرة التحميل والتنزيل والتي قد تبلغ سنتين أيضا فإن أصحاب رؤوس الأموال الذين لا ينتجون يحققون ربحا مقداره ست دولارات وستة وتسعين سنتا. بالتأكيد هناك تاجر لا مفر سيربح، وهذا حقه لأنه يقدم خدمة تسهل على الناس الحصول على البضاعة، لكن المشكلة تبقى في سقف الأرباح غير المعقول في كثير من الأحيان، وكذلك في عدد الأيدي المتاجِرة التي تشتري السلعة قبل أن تصل إلى يد المستهلك.

 

خذ تجارة الأراضي مثلا والتي يكثر فيها السماسرة والمزايدون والمحتكرون. يشتري تاجر أراضي قطعة أرض  صالحة للبناء بمبلغ عشرة آلاف دولار، وهو مبلغ أقل من ثمنها الحقيقي لأن البائع محتاج للمال؛ ويأتي بعد ذلك تاجر آخر ليشتري ذات القطعة بمبلغ أربعة عشر ألف دولار؛ ثم يأتي ثالث وهكذا. يكون كل تاجر قد حقق ربحا بآلاف الدولارات دون أن يكون أي منهم قد قدم جهدا، وتباع الأرض في النهاية لصاحب حاجة يريد أن يبني منزلا بمبلغ خمسة وعشرين ألف دولار. كان من الممكن أن يشتري الشخص الذي يريد بناء منزل الأرض مباشرة من مالكها الأصلي بمبلغ اثني عشر ألف دولار ويوفر على نفسه مبلغ ثلاثة عشر ألف دولار ذهبت لجيوب من لا يعملون. 

 

هذا ينطبق على الصناع الذين يستوردون المواد الخام من دول فقيرة بأسعار زهيدة، ثم يبيعون المواد المصنعة بأسعار تفوق بأضعاف تكاليف الإنتاج. وينطبق أيضا على أسواق المال التي تعتبر، كما ذكرنا سابقا، مركزا لسرقة الفقراء ومتوسطي الحال.

 

باختصار، يحتوي النظام الرأسمالي القائم حاليا على عدد من مواطن الخلل الخطيرة والتي تسبب أضرارا كبيرة لعموم الناس بخاصة الفقراء ومتوسطي الحال وهي:

 

أولا: التجارة العالمية القائمة حاليا ووفق معايير الرأسماليين عبارة عن احتكار للثروة، واعتداء صارخ على حقوق الفقراء أفرادا ودولا.

 

ثانيا: هناك خلل كبير بين ما ينتجه الفرد وبين الخدمات التي يحصل عليها، ولا يستطيع تغطية الفارق إلا من خلال المديونية.

 

ثالثا: التسهيلات الائتمانية عبارة عن آفة اجتماعية وإنسانية تثقل كاهل الناس بدل أن تعالج مشاكلهم.

 

رابعا: الأسواق المالية أشبه ما تكون بكازينو للقمار لا يوجد فيه رابحون سوى المدير.

 

خامسا: فلسفة التسويق القائمة حاليا تعتمد الإغراء على حساب التعقل في الإنفاق، وهي تسبب أذى كبيرا لأصحاب الدخول المحدودة.

 

سادسا: تراجعت القيم الإنسانية لصالح القيم الربحية، وباطراد يتحول الإنسان إلى بضاعة.

 

سابعا: رأس المال الكبير يشفط الرأسمال الصغير على المستوى العالمي، وستنتهي الثروة بأيدي قلة من حيتان المال في الدول الصناعية الكبرى بخاصة الولايات المتحدة، وستنتهي الدول الفقيرة إلى مجرد أدوات أو مجرد عبيد لدى السادة.

 

الحل في تحرير المستوى السياسي

 

بما أن الخلل في الرأسمالية تركيبي والحلول عرضية، فإن الاستمرار في البحث عن حلول من داخل الرأسمالية لن يجدي نفعا على المدى الطويل على الرغم من أنها قد تهدئ روع الناس الاقتصادي مؤقتا. جرب العالم الحلول من الداخل، ولم ينجح، وهو عالم دائم الخوف من الانهيارات المالية والاقتصادية، والذي يستمر في تجربة ما ثبت فشله إنما يصر على الفشل. الفشل مبني في البناء الأخلاقي للرأسمالية الليبرالية الحديثة إذ أن الاحتكار والجشع والطمع والاستغلال وسحق الفقراء والطبقة المتوسطة هب من أسس عملها وسلوكها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

 

الحل المنشود يجب أن يكون من خارج الرأسمالية، لكن ليس من خارج الثالوث المتحكم بأوضاع الناس وهو الرأسمالية ووسائل الإعلام والحكومات. أما وقد تحولت وسائل الإعلام إلى شركات رأسمالية لها مصالحها المرتبطة مع الرأسماليين، فإن البحث عن حل ينحصر في الحكومات والتي هي الحلقة الأضعف في التحالف الثلاثي ذلك لأن الذي يشكلها يعتمد في دعايته الانتخابية إلى حد كبير على الرأسماليين وعلى وسائل الإعلام، وكذلك في استمراريته في الحكم.

 

الحكومات هي التي تحمل الأمانة لأنها هي المشرفة على شؤون الناس العامة، ووجودها يهدف إلى رعاية شؤون الناس وتحسين أحوالهم ورفع مستوياتهم في مختلف المجالات، وإذا كنا نبحث عن تجنيب الناس الهموم والآلام فإننا لا نبحث في الرأسمالية والتي هي نظام اقتصادي ربحي وإنما في النظام السياسي الذي تقع على عاتقه مهمة مواجهة المشاكل العامة. الرأسمالي يبحث عن حلول لمشاكله هو، وهو بالتالي ليس المسؤول عن تجنيب الناس تبعات أعماله التي تغطيها قوانين الرأسمالية المحمية سياسيا، وإنما السياسي هو المسؤول.

 

النظام السياسي هو المسؤول الأول والأخير عن راحة الناس وأمنهم وطمأنينتهم، وليس أي نظام آخر مثل النظام الاجتماعي أو الاقتصادي أو التعليمي. قد تحصل أحيانا مشاكل وتنشأ هموم بسبب النظام الاجتماعي، لكن المسؤولية في البحث عن حل لا تقع على النظام الاجتماعي، وإنما على النظام السياسي الذي عليه أن ينظر فيما إذا كانت المشاكل ناتجة عن خلل عرضي أو تركيبي؛ وإذا كان تركيبيا فإن على النظام السياسي القيام بخطوات تتجه نحو إحداث تحولات اجتماعية تركيبية، لا أن تقتصر معالجاته على تهدئة الأوضاع وإعادة الاستقرار إلى حاله السابق. وإذا كان النظام السياسي غير راغب في البحث عن تحولات تركيبية في النظام الاجتماعي فإن النظام السياسي نفسه له مصلحة واضحة في التركيب الاجتماعي القائم. أو ربما نقول إن النظام السياسي هو ابن النظام الاجتماعي، أو يستمد شرعيته من هذا النظام.

 

وإذا كان النظام التعليمي لا يفي بالغرض، ولا يرتقي بالأمة من الناحية العلمية، فهل تتم معالجة هذا الأمر بتوظيف مزيد من المعلمين، أو تغيير مدراء التربية والتعليم؟ أم تتم معالجة الخلل من خلال النظر في تركيب النظام التعليمي؟ الخلل بالتأكيد في النظام التركيبي الأمر الذي يعني أن النظام السياسي يتبع نظاما تعليميا لا يؤدي إلى الرقي العلمي، بل ربما يتعمد النظام السياسي إقامة نظام تعليمي لا ينهض بالوعي الإنساني ولا بمستوى التفكير العلمي لدى الناس. أي أن الخلل في النظام السياسي، أو، على الأقل، أن مسؤولية معالجة الخلل تقع على عاتق النظام السياسي والتي تقع في صلب سياسته التعليمية. 

 

هنا تكمن العقدة في النظام السياسي الغربي الرأسمالي وهي أن النظام السياسي عبارة عن خادم للنظام الرأسمالي وحارس على بقائه وسلامته. النظام السياسي ليس طليقا في تقييم الأمور العامة وتقدير التغيير الواجب اتباعه من أجل المحافظة على مصالح عموم الناس، بل هو أسير النظام الرأسمالي، ويرى أن مصلحة الجمهور تنبثق من مصلحة الرأسمالية، أو أن الحرص على المصلحة الخاصة يؤدي إلى خدمة المصلحة العامة. ولهذا تدور عملية الانتخابات السياسية ضمن بعد اقتصادي واضح، وتؤدي نتائجها إلى ترسيخ النظام الاقتصادي القائم بغض النظر عن الحزب الذي يفوز في الانتخابات. 

 

أي أن النظام الديمقراطي الغربي هو ليس نظاما إبداعيا بعيدا عن متطلبات الرأسمالية، إنما هو نظام متزاوج مع الرأسمالية، إن لم يكن خادما لها، بحيث أن الرأسمالية لا تستطيع أن تنتعش إلا في ظله، ولا تستطيع أن تتعايش ضمن قواعدها وأسسها الحالية إلا معه. النظام الديمقراطي الغربي القائم حاليا يتناسب مع متطلبات الرأسمالية، ويقيم نظاما من الحريات يخدم المبادئ الرأسمالية دون مبادئ التماسك الاجتماعي والرقي الأخلاقي، وقد أشرت إلى هذا سابقا من حيث أن القيمة العليا لنظام الحريات هي الأرباح.

 

فإذا كنا نبحث عن إصلاح اقتصادي يجنب عموم الناس الويلات فإن العلة في النظام التركيبي البنيوي للرأسمالية والتي لا يقوى على معالجتها إلا النظام السياسي الحر غير المقيد بأسس الرأسمالية القائمة حاليا. وإذا كان هدف الرأسمالية هو تحقيق أكبر قدر ممكن من الأرباح فإن هدف النظام السياسي الحر يجب أن يكون تحقيق أكبر قدر من العدالة. ولهذا من مهمات النظام السياسي هو تحقيق أكبر قدر من الحرية للناس مع تحقيق أكبر قدر من العدالة، وهذا ما يختلف مع فلسفة الحرية في الرأسمالية التي تدور حول العملية الاقتصادية المؤدية إلى الربحية. المفروض أن ما هو جيد للناس، جيد للنظام الاقتصادي، وليس ما هو جيد للنظام الاقتصادي جيد للناس.

 

الحرية والعدالة لا تتناقضان وإنما تنسجمان، وإذا كنا نظن أننا نقيم نظاما راقيا من الحريات ولم تتحقق العدالة (ليس المساواة) فإن ظننا خاطئ ويجب تصويب ما نقوم به. لا عدالة بدون حرية، ولا حرية بدون عدالة: إقامة العدالة تتطلب إقامة الحرية، والعكس صحيح؛ أو بمعنى أدق: الحرية لا يمكن إلا أن تفضي إلا إلى عدالة، والعدالة لا يمكن إلا أن تفضي إلى حرية. ومن المهم أن نبحث جميعا عن تلك الأوضاع التي تتحقق فيها الحرية والعدالة معا. هذا ممكن فقط إذا تم تحرير النظام السياسي من قهر الرأسمالية أو سيطرتها وبدأ يعي أن الأمانة تقتضي البحث في تركيبة الرأسمالية حتى لا تبقى تتغذى على حقوق الآخرين. النظام السياسي الجيد هو الذي يسأل دائما عما هو جيد للأمة أو للشعب، وليس عما هو جيد للرأسمالية أو لفئة معينة من الناس. إذا تحققت حرية النظام السياسي فإن المرونة السياسية في التعديل والتغيير والتطوير تصبح متوفرة، وتصبح هناك قدرة لدى النظام السياسي للسير في عملية إبداع متصاعدة.

 

هناك طغيان الآن من قبل وسائل الإعلام والبرامج الثقافية والفكرية والتربوية من ناحية تصوير النظام السياسي القائم على أنه النظام الإنساني النهائي الذي استقر عليه التاريخ. يقولون إن هذا النظام السياسي هو النظام النهائي الذي اهتدى إليه الإنسان بعد تجارب تاريخية مريرة، وإنه هو الذي يوفر العدالة والراحة والطمأنينة للناس جميعا. ولهذا تنشط الدول الديمقراطية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية في الترويج للديمقراطية على أنها النظام السياسي الأفضل، وتقيم من أجل ذلك مئات المراكز في العالم لتدريس الناس الديمقراطية وتعليمهم أسسها ومبادئها وطرق ممارستها، وتستقطب في سبيل ذلك عشرات الآلاف من المثقفين ليتولوا هم تدريس أبناء أوطانهم هذه الديمقراطية.

 

في هذا التدريس، هناك عملية خلط متعمدة بين الحرية والنظام الديمقراطي بحيث يتم تكريس الانطباع بأن الحرية لا يمكن أن تتحقق إلا في ظل النظام الديمقراطي. طبعا هذا عبارة عن تزوير لأن الحرية أوسع بكثير في مجالها ومداها من الديمقراطية، والحرية في الديمقراطية محصورة ضمن جدران الأسس الرأسمالية، بينما في الأصل يجب أن تكون طليقة بحيث يعبر الإنسان عن مختلف طاقاته الإنسانية حتى منتهاها وضمن عملية توازن دقيقة بين مختلف الطاقات يقررها هو. لا ننكر بأن الديمقراطية تعطي حريات، لكنها لا تستنفذها ولا تحيط بها. وهنا نذكر استبدادية رأس المال، واستبدادية وسائل الإعلام التي لم تعد سلطة رابعة بقدر ما أصبحت جزءا من أنظمة آيديولوجية تخدم أصحابها، واستحواذ المرشحين للانتخابات الرئاسية والتشريعية من خلال أموال الدعاية الانتخابية.

 

الأساس في تحرير النظام السياسي وإخراجه من الثالوث يكمن في تغيير أسس عمليتي الترشيح للانتخابات والدعاية الانتخابية. إذا تم تحرير المرشحين من سطوة أموال الرأسمالية، وتغيير أنماط وأساليب الدعاية الانتخابية بطريقة لا يتدخل فيها رأس المال، فإن الفائزين في الانتخابات لن يكونوا بحاجة لرضا الرأسماليين، ولن يوظفوا مكاتبهم العامة لخدمة أهداف خاصة، وسيكون بإمكانهم تقدير النشاط الاقتصادي الملائم لمصلحة الناس في ظل ظروف من الحرية مختلفة عن الظروف القائمة حاليا.

 

تقيم الديمقراطية القائمة حاليا عدالة عددية (مساواة) بين الناس فيما يتعلق بالترشيح والانتخاب، بمعنى أنها تفتح المجال أمام من يريد الترشح للانتخابات أن يترشح، وتفتح المجال للمنافسة المحتدمة بين المرشحين، وتتعامل مع الناس على أن أصواتهم جميعا متساوية. (على الرغم أنني مع وضع ضوابط مهنية للترشيح، وليس ضوابط عقائدية أو آيديولوجية أو سياسية. من الحرية أن تفتح باب تكافؤ الفرص، ومن حرية الناس أن يتقدم لقيادتهم من استطاع تحقيق سمو مهني مثل القدرة الكبيرة على الإدارة، أو تحقيق إنجازات علمية واجتماعية كبيرة للمجتمع وغير ذلك، يؤهله للقيام بالعمل العام. لكل مجتمع أن يضع ضوابطه المهنية وفق ظروفه هو دون أن تكون لهذه الضوابط أية أبعاد أخرى غير مهنية) لتكن هذه المساواة العددية على الرغم من أنها تتجاوز العدالة التوزيعية (الديناميكية) حتى لا يقيم أحد الحجة على النظام. لكن المهم هو أساليب وأنماط الدعاية الانتخابية إذ يجب إعادة النظر فيها جميعا حتى تتحقق أيضا العدالة العددية. من الملاحظ أن العدالة العددية يتم تطبيقها في أمور معينة، لكنها لا تُطبق عند الدعاية الانتخابية، ويتم ترك كل مرشح وفق قدراته الذاتية وما يمكن أن يجمعه من دعم وتأييد. هذا ناهيك عن تحيز وسائل الإعلام لصالح هذا المرشح أو ذاك.

 

ترك الباب مفتوحا أمام الدعاية الانتخابية ينحاز حقيقة لمن يملك على حساب من لا يملك، وينحاز لمن مع النظام على حساب من ينشد التغيير، ويترك المجال مفتوحا أمام المرشح وأعوانه ليضللوا الناس ويوهموهم بقدرات المرشح وإمكاناته العقلية والعلمية، الخ. الدعاية الانتخابية في ثوبها الحالي تفتح المجال للكذب والتضليل والاستحواذ على الناس، ولهذا يجب تغييرها. الدعاية الانتخابية في الدول الديمقراطية منحازة تماما لصالح المتنفذين اقتصاديا، وأحيانا لأصحاب النفوذ الاجتماعي بخاصة في الدول الديمقرطية التي ما زالت تحت وطأة نظام اجتماعي قديم. وإذا نظرنا إلى أعضاء المجالس التشريعية في الدول الديمقراطية فإننا نجد أن أغلبهم ممن يملكون القدرة المالية على الإنفاق الدعائي، أو يتلقون دعما ممن يملكون المال.  

 

يجب أن تكون الدعاية الانتخابية من صلاحية مجلس عام متفق عليه ومنصوص عليه قانونيا، ويقوم على ترتيبها وتنظيمها ومراقبتها. هذا مجلس أشبه ما يكون بمجلس قضائي أعلى لكنه يختص فقط في الدعاية الانتخابية. إنه مجلس يحدد تماما النشاطات التي يمكن أن يقوم بها كل مرشح، والمحاضرات والندوات التي يمكن أن يقدمها، ويحدد كيفية النشر في الجرائد والظهور على شاشات التلفاز، الخ. وهو مجلس يساوي بين المرشحين جميعا ولا يترك الدعاية الانتخابية مزاجية، ووفق الإمكانات المادية.

 

مجلس تنظيم الدعاية الانتخابية هو الذي ينفق على الدعاية الانتخابية. لا توجد دعاية على نفقة المرشح نفسه، وإنما يجب تغطية النفقات من قبل الدولة، وهي نفقات غير مستردة ذلك لكي يتقدم للانتخابات كل من وجد في نفسه القدرة على القيادة. والأهم من ذلك أن المجلس هذا يحتفظ بالسيرة الذاتية لكل مرشح، وبتفاصيل موثقة حول أعماله وأخلاقه ومعاملاته وإنجازاته وأمواله المنقولة وغير المنقولة وخدماته لمجتمعه ووطنه وشعبه، وهو الذي يقوم بإطلاع الناس على شخص المرشح وعلى برنامجه الانتخابي المكتوب. لا يقوم المرشح بالتعريف بنفسه، وإنما تبقى مسألة التعريف متروكة للمجلس. هذه وسيلة مهمة في تجنيب الناس عملية التضليل، وهي أيضا مهمة في ردع غير القادرين عن الترشح للانتخابات.

 

ولأن هناك فروقا في الشخصية بين المرشحين، وفي القدرات وطريقة مخاطبة الناس، فإن الجمهور يطلع على هذه الفروق من خلال مناظرات ومناقشات وندوات ومحاضرات يقيمها المجلس وتتيح للجمهور فرصة التمييز بين مرشح وآخر فضلا عن المعلومات الدقيقة التي يوفرها المجلس عن كل مرشح.

 

هذا ترتيب يفتح المجال أمام من يجد في نفسه القدرة على قيادة الدولة أو لكي يكون عضوا في المجلس التشريعي أو أي مجلس تمثيلي آخر أن يترشح، وهو يحرر المرشحين من الضائقة المالية التي قد تحرمهم من الترشح، ومن سطوة المتبرعين الذين يبحثون دائما عن مكافآت فيما إذا فاز المرشح. هناك فقراء عباقرة لا يترشحون، وهناك أثرياء أغبياء يفوزون بالانتخابات بفضل أموالهم. كما أن هذا الترتيب يساوي بين المرشحين في الدعاية الانتخابية، ويردع من ليس لديه القدرة، ويحرر المرشحين من سطوة الأحزاب التي تشهد غالبا تكتلات متنافسة من أجل إفراز مرشحين. الأحزاب في هذا الترتيب تستطيع تأييد برنامج مرشح معين، لكنها لا تقوم بعمل الدعاية الانتخابية، ولا تلزم مرشحا ببرنامج انتخابي. وفي هذا ما يحرر المجتمع من استبدادية الأحزاب والتي أخذت بالتطور مع الزمن.

 

في هذا الترتيب، نحن ننتقل من استاتيكية (عددية) الطرح الانتخابي والفكري السياسي الذي هو الآن حكر على الأحزاب، إلى حيوية (ديناميكية) الأفكار. ننتقل من المحدودية إلى التعددية التفاعلية التي تشجع على الاجتهاد، ننتقل من الجمود الفكري ضمن حدود الرأسمالية، إلى الحيوية الفكرية التي تفتح آفاقا نحو إعادة ترتيب مختلف الأوضاع للدولة بطريقة تتعلم من التجربة والخطأ، وتعمل على مواجهة الأخطار، وتصويب المسار. هذا بحد ذاته يفتح المجال أمام تصويب الرأسمالية تركيبيا وليس عرضيا.

 

أوضح بالنسبة لاستبدادية الأحزاب أن أغلب الناس في أغلب دول العالم غير متحزبين، لكنهم مقيدون بانتخابات تجبرهم على اختيار أحزاب، واختيار أشخاص قد لا يثقون بهم لأن أسماءهم ترد في القائمة الانتخابية للحزب. عملت الأحزاب عبر الزمن على إلغاء الأشخاص لصالح الحزب، وأصبح الشخص غير قادر على خوض الانتخابات بارتياح إلا إذا كان عضوا في حزب. هذا غير منصف وغير عادل، وهو يؤدي إلى انتخاب أشخاص على غير كفاءة بسبب حزبيتهم، ويستبعد أشخاصا يمتلكون المعرفة والكفاءة بسبب عدم حزبيتهم. هذا يدعونا إلى إعادة النظر بطرق التمثيل والترشيح وتشكيل القوائم الحزبية، وإذا كان لدينا قناعة بالتعددية فإن استبعاد الأشخاص عن المسرح يتناقض تماما مع مبدأ التعددية.

 

مثل هذا الترتيب يحرر النظام السياسي من استبدادية رأس المال، واستبدادية وسائل الإعلام، واستبدادية الأحزاب، واستبدادية الثقافة التي صنعتها الرأسمالية، ومن الممكن أن يسير بالناس تدريجيا نحو هامش أوسع من الحريات، ونحو أمن اقتصادي أفضل لأن العدالة ستكون الهدف وليس التراكم الرأسمالي. إنه يحرر النظام السياسي من استعباد رأس المال، ويفك التحالف الشيطاني بين رأس المال ورجال الحكم ووسائل الإعلام.

 

معضلة الحرية

 

تعتبر حرية الاختيار من أهم أركان الديمقراطية، وهي الميزة الأساسية التي يعمل المتبنون للديمقراطية على إبرازها في دفاعهم عن النظام، وفي الترويج لها كأفضل نظام سياسي شهده التاريخ. هناك صحة في دفاعهم، ولا شك أن الديمقراطية تدافع عن حرية الاختيار، وحرية التعبير والتنقل، الخ. لكن المشكلة أن الديمقراطية ارتبطت بالرأسمالية، وأخذت تبعا لذلك تصبغ الحرية بالتعريف الرأسمالي للحرية والذي يركز على الفردية وحرية العمل وانتقال رأس المال، واعتبار المصلحة العامة كنتاج للمصلحة الخاصة.

 

لسنا بصدد البحث في الحرية باستفاضة هنا، إنما لا بد من التمييز بين الحرية والتحررية والذي تكاد الفلسفة الغربية تخلو منه. الحرية، وفق تعريف كاتب هذه الرسالة عبارة عن ممارسة الطاقات الإنسانية حتى منتهاها وبتوازن بينها يقرره الإنسان الحر؛ أما التحررية فهي التخلص من القيود الخارجية والتأثير غير المرغوب للقوى الخارجة عن الذات. الطاقات الإنسانية تشمل الطاقات الجسمانية والمعنوية والعقلية مثل الطاقات الذهنية والعضلية والعاطفية والغضبية والانفعالية والأحيائية. الجوعان ليس بحر لأن طاقته العضوية الأحيائية لا تعبر عن نفسها بشكل سليم، وكذلك النّهم الذي لا يرحم أمعاءه؛ والممنوع من الكلام ليس بحر لأنه لا يستطيع التعبير عن نفسه، وكذلك الكسول الذي لا يمارس حركات جسمانية تعطي الصحة لجسده، ولا الذي يعيش في مجتمع يعتبر التعبير العاطفي عما يدور في النفس من خلجات أمرا معيبا.

 

أما التحرر فهو التخلص من المعوقات والمؤثرات خارج الذات الإنسانية والتي تحول بين الإنسان وقدرته على التعبير عن طاقاته. فنقول مثلا التحرر من الاستعمار ومن الاستعباد، والتحرر من الفقر ومن الظلم. التحرر شرط ضروري لممارسة الحرية، لكنه أيضا لا يفضي إلى الحرية إن لم يتوفر الوعي الإنساني بالذات والطاقات الإنسانية الكامنة. فحتى تتحقق حرية الإنسان، أمام الإنسان أن يعي ذاته، ويعي تماما الأوضاع الصحية التي يستطيع معها التعبير عن طاقاته حتى المنتهى الذي يحقق له التوازن، وأن يتحرر أيضا من مختلف القوى الخارجية التي تحول بينه وبين ممارسة حريته.

 

معضلة الحرية في التعريف الرأسمالي أن تعريفها مرتبط بعوامل خارج الذات، وهي عوامل مادية مرتبطة بالأرباح، أو بالمصلحة الشخصية، وليس مرتبطا بالتكامل الذاتي الذي يوحد بين الذاتي والموضوعي، أو يطور وعيا بكيفية تحقيق الانسجام بين الذاتي والموضوعي: أي بين القوى الخارجية الموضوعية، وبين انبثاق الطاقات الإنسانية، بين البعد الشخصي والبعد العام، بين الفردي والجماعي. إنها تربط الذاتي بإنجازات مادية، وتترك الموضوعي ليتحقق من خلال الذاتي ليكون العالم الخارجي مجرد أداة بدل أن يكون موضوعا للتفاعل. ولهذا فإن حرية الرأسمالية منتقصة من ناحيتين: ناحية التحقيق الذاتي من خلال التعبير المتنوع والمتكامل للطاقات الإنسانية، وناحية النظر إلى العالم خارج الذات كأداة لا تأخذ باعتبارها احترام الإنسان كمبدأ أساسي يحكم السياسات الاقتصادية، أو كقيمة مختلفة جذريا عن السلع والبضائع. هذا الخلل ينتهي إلى التعامل مع الإنسان على أنه حيوان مستهلك أكثر من التعامل معه ككيان عاقل نشط مستقل قادر على العمل الجماعي والتعاون المتبادل.

 

تعكس الرأسمالية نظرتها إلى الحرية على الديمقراطية لتتحول الديمقراطية إلى أداة من أدواتها. لنسأل عن عدد الإعلانات التي تظهر في وسائل الإعلام حول السلع والبضائع، وعن عددها حول رفع مستوى الوعي الإنساني وقيمة التفكير الحر والعلمي. واضح أن وسائل الإعلام التي من المفروض أن تكون مصدرا للمعرفة والترفيه وتطوير القدرات الإنسانية، يتم استغلالها بصورة كثيفة لمخاطبة الطاقة الاستهلاكية للإنسان. وواضح أن الدول الرأسمالية تستعمل الديمقراطية كأداة للنفوذ وليس كوسيلة للتأكيد على حرية الإنسان. فمثلا لم تقبل الدول الغربية الرأسمالية نتائج انتخابات الجزائر عام 1992، ورفضت نتائج انتخابات الفلسطينيين في الضفة وغزة عام 2006، وحاصرت الشعب الفلسطيني كعقاب له على اختياره. ومثلا لم تترك حكومة الولايات المتحدة الحزب الشيوعي الأمريكي يعمل، وانضم إليه عدد كبير من عملاء الأجهزة الأمنية الأمريكية، ولم تترك دول غربية عدة الفتيات المسلمات يرتدين ما يرينه مناسبا من الملابس، وإلى غير ذلك.

 

من الملاحظ في الدول الرأسمالية الديمقراطية أن هناك تثقيف متعمد (أدلجة) للناس لكي يكون الاستهلاك عبارة عن ثقافة، وأن ترتبط القيم الإنسانية بشكل أو بآخر بالقيم الاستهلاكية، وهذا ما يضمن للرأسمالية الاستمرار فيما هي عليه وفيه من تركيز على فكر الأرباح. هذا تثقيف يحول بين الإنسان ونفسه، ويقلل من الوعي الإنساني بالذات، وبالتالي في القوى الخارجية التي تعمل ضده، فيتحول الفرد إلى عبد وهو يظن أنه حر.

 

أي المطلوب هو الحرص على:

1-       تحقيق الحرية كقيمة إنسانية ترتقي بالطاقات الإنسانية، أو تفتح أمامها مجالات الارتقاء من خلال التعبير عن ذاتها تصاعديا حتى المنتهى، وهي حرية ليست منبثقة من الأرباح ولا هي مقيدة بها، وإنما تحوي في داخلها حرية الإنسان في جني الأرباح كسبيل للعيش. إنها الأساس، والأرباح عبارة عن نتاج؛

2-       المثابرة على التحرر من المعوقات والقيود الخارجية، الأمر الذي يرتبط مباشرة بحرية الإنسان وانبثاق طاقاته؛

3-       رفع مستوى الوعي الإنساني بمفهوم الحرية وأساليب ووسائل تحقيقها، ومستوى وعيه بالعالم خارج ذاته ليكون قادرا على التعامل بذكاء معه والتغلب على المعوقات والعراقيل؛

4-       ترتبط الحرية والتحررية بعلاقة جدلية تبادلية، وكلما حقق الإنسان حرية يصبح أكثر قدرة على التحرر من المعوقات الخارجية، وكلما تمكن من التحرر من قوى خارجية أصبح أكثر قدرة على التعبير عن طاقاته، والعكس صحيح.

5-       العلاقة بين الحرية والتحررية توحد الذاتي والموضوعي، وتوحد الفردي والجماعي، والوعي يجعل من العلاقة بينهما علاقة ديناميكية تتميز عناصرها دون أن تنفصل. الحرية تأكيد داخلي للذات، والتحررية تأكيد خارجي للذات من خلال تطويع القوى الخارجة عن الذات أو تحييدها أو القضاء عليها. العالم داخل الذات ذاتي، والعالم خارج الذات موضوعي. وهي علاقة تحرص على الذات كفرد، وعلى الذات الجماعية للتأكيد الجماعي.

6-       تطوير برامج داخلية تصنع الأجواء المناسبة لانبثاق الطاقات الإنسانية، أو لتمكين الإنسان من التعبير عن هذه الطاقات وإنمائها؛ وتطوير برامج أخرى لمواجهة العراقيل الخارجية التي تواجه الأمة والأفراد. هذا يتطلب التركيز التربوي على التفكير الحر والمنهجية العلمية، وعلى فتح المجال أمام التفاعل الفكري لرفع مستوى الوعي لدى الإنسان.

 

من المهم الإشارة هنا أنه يمكن تصنيف القوى الخارجية التي تعرقل حرية الإنسان إلى:

 

أ‌-       قوى مرتبطة بزخم الحياة من سعي وتلاقي مصالح وأفكار أو تضاربها وتعقيد العلاقات العامة والخاصة. هذه قوى موجودة كجزء من حياة الإنسان فردا وجماعة، ويتم تناولها ضمن نشاط الحياة بصورة عامة. الإنسان يواجه المعوقات والمقيدات والهموم والضغط والتوتر بفضل كونه موجودا، وبفضل بيئته الطبيعية والإنسانية والبشرية؛

ب‌-  قوى خارجية طبيعية لا علاقة لها بإرادة الإنسان مثل الأمراض والزلازل والأعاصير وخاصيات المعادن وتدفق الأنهار، وهي تدفع الإنسان للتفكير في كيفية السيطرة عليها أو التقليل من أضرارها، أو الاستفادة منها؛ أو اكتشاف القوانين التي تحكمها، الخ. هذه تشكل تحديات طبيعية تتطلب جهودا إنسانية لجعل حياة الإنسان أكثر طمأنينة وراحة؛

ت‌-   قوى إنسانية على مستوى فردي أو جماعي تعمل عن قصد وتعمد على سلب حرية الإنسان وتطويعه لهذا الهدف أو ذاك. هذه القوى هي التي تشكل التحدي الحقيقي أمام إرادة الإنسان وتعرقل حريته.

 

 

 

التوازن بين الخاص والعام

 

السؤال الذي لا مفر سيبقى أمام النظام السياسي الذي يمثل الناس يتمثل في عدالة توزيع الثروة، وبطريقة لا تظلم النشطاء والأثرياء، ولا تبقي على ظاهرة الفقر. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن العدالة لا تعني المساواة، وإنما المساواة عبارة عن مظهر واحد من مظاهر العدالة. فمثلا، الدولة تساوي بين أبنائها في تكافؤ الفرص، أو في الرعاية الصحية، أو أمام القانون، لكنها لا تساوي بينهم في القدرات لأن قدراتهم متباينة لأسباب متعددة منها

 
مواضيع ذات صلة:
النظرية الاقتصادية القاسمية الاقتصاد السياسي: النمو والعدالة في مواجهة قمار وخداع الرأسمالية الليبرالية الحديثة (1)// الأستاذ الدكتور عبد الستار قاسم
 
تعليقات