أمجاد العرب
صحيفة الكترونية يومية amgadalarab.48@gmail.com
ألصفحة الرئيسة
ملفات اخبارية
مختارات صحفية
تحت المجهر
كواليس واسرار
مقالات وتحليلات
مواضيع مميزة
مقالات وافكار
تقارير دراسات
ادب وثقافة
منوعات
الأسرى
كلمة الأمجاد
راسلنا
من نحن
 
كلمة الأمجاد
د.عدنان بكرية // الحرب قادمة وساعة الصفر قريبة جدا........
 
المتواجدون حالياً
 
المتواجدون حالياً :
 
 10
 
عدد الزيارات : 31350906
 
عدد الزيارات اليوم : 3850
 
أكثر عدد زيارات كان : 76998
 
في تاريخ : 2014-04-20
 
 
مقالات
 
مواضيع مميزة
إيران: البغدادي جثة هامدة ومقرب من خامنئي يؤكد

تزامنًا مع الاعتداءات الإسرائيليّة على سوريّة: قيادات وكوادر في المُعارضة المُسلحّة يُشجعون تل أبيب على المزيد من الضربات و”يترّقبون أنشطةً أكثر أهميةً”

إيران تحذر أمريكا من “مغامرة اللعب بالنار” في سوريا.. وتتوعد بتغيير المعادلة في حال “شن عدوان أمريكي جديد”

القناة الثانية الإسرائيلية... مفاوضات سرية بين حماس واسرائيل لتبادل أسرى

وزير الاستخبارات الإسرائيليّ يدعو الملك سلمان وولي العهد لزيارة تل أبيب أوْ دعوة نتنياهو لزيارة المملكة ويُطالب دول الخليج بسلامٍ اقتصاديٍّ وتطبيعٍ تدريجيٍّ

ارتياح في إسرائيل لتعيين الأمير محمد بن سلمان وليا للعهد وصحيفة هأرتس تؤكد انه تل ابيب سرا عام 2015

أيزنكوت: حزب الله التهديد المركزي وروسيا تتجاهل نقل سلاحها له

مسؤول فلسطينيّ رفيع لصحيفةٍ إسرائيليّةٍ: عبّاس يدرس الإعلان عن غزّة “إقليمًا متمردًا”.. وتل أبيب “تُبدي تحفظها من الخطوة”!

حرب جديدة تلوح في الافق ستكون كارثة للجميع يديعوت احرونوت : غزة ستنهار عشية انتهاء رمضان ولا بد من مفاوضة حماس

روسيا الرابحة من الافراج عن سيف الإسلام وعودته الى السياسة.. والسعودية وفرنسا على رأس الخاسرين

حزب الله يكشف بنك أهدافه: 9 مواقع استراتيجية إسرائيلية

معهد واشنطن: دول الخليج تُواجِه تحدّيات داخليّةٍ وخارجيّةٍ تُهدد استقرارها وعلى ترامب الإقرار بأنّ القضيّة الفلسطينيّة لا تُشكّل عائقًا أمام تطوير العلاقات مع إسرائيل

نقل خبرته الى حماس جيولوجيون وخبراء إسرائيليون يؤكّدون: حزب الله يحفر أنفاقًا ضمن منظومةٍ قتاليّةٍ ضدّ تل بيب

 
مواقع صديقة
موقع زيتونة
موقع ميثاق الاحرار العرب الدروز في ال 48
اسرى 48
كرملنا
سورية العربية
موقع البروفسور محمد ربيع
الصفصاف
فلسطيني
الاردن العربي
نبض الوعي العربي
 آخر الأخبار |
   منذر ارشيد // المقاومة المسلحة....وتجربتي مع كتائب الأقصى. .!؟ الجزء الأول (1)       الشاعر الفلسطيني الكبير ( سليمان دغش ) يستلمُ جائزة الاتحاد العام للكتاب العرب في دبي – بقلم : حاتم جوعيه      الصحة الفلسطينية: إسرائيل استخدمت رصاصاً متفجّراً وغازاً ساماً مجهولاً ضد المتظاهرين بغزة      القوة الصاروخية اليمنية تستهدف بصاروخ باليستي قيادة الجيش السعودي بجيزان      روسيا: أميركا تدرّب إرهابيي "الجيش السوري الجديد" في معسكر للاجئين بالحسكة      جمعة الغضب | 888 إصابة و4 شهداء في الضفة وغزة بالغاز السام والرصاص الحي      العالول: أوسلو انتهت وكل أشكال المقاومة مشروعة والاتصالات مع امريكا مقطوعة      الأمير محمد بن سلمان يستحوذ “رسميا” على شبكة قنوات “MBC” ويعين اميرا مقربا منه رئيسا لمجلس ادارتها..      اليمن: 23 شهيداً بصعدة وتعز واستهداف تجمعات عسكرية سعودية      قادة أوروبا: موقفنا من القدس ثابت       صـَقـيـع الـمَــنـفـى ... دفء الـوَطـَن الدكتور عـبـد القادر حسين ياسين      قراءة في قمة إسطنبول...وما هو المطلوب..؟؟ بقلم :- راسم عبيدات      هنية يتعهد باسقاط وعد ترامب ويدعو للاسراع في المصالحة صور: جماهير حاشدة تشارك في مهرجان انطلاقة حماس بغزة      عشرات المستوطنين يقتحمون الأقصى بحراسة مشددة من قوات الاحتلال الخاصة.      نتنياهو: على الفلسطينيين أن يعملوا على إحراز السلام بدلاً من التحريض وتصعيد الأوضاع      ما تحتاجه الآن القضيةُ الفلسطينية // صبحي غندور*       طائرات الاحتلال تفصف اهدافا للمقاومة في قطاع غزة فجرا دون اصابات      عرض 10 مليار دولار.. تفاصيل جديدة حول استدعاء بن سلمان لعباس الى الرياض قبل قرار القدس      القمة الطارئة لمنظمة التعاون الإسلامي فى تركيا تعلن القدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطين وتعتبر ان قرار ترامب يصب في مصلحة “التطرف والارهاب”      واللا: "حماس تستفز الجيش الإسرائيلي وايزنكوت في حيره ..فهل سيعود لسياسة الاغتيالات؟      شبكة CNN سألت باسيل عن تصريحات نصر الله حول القدس..بماذا أجاب؟      وقف الطيران في "بن غوريون" بسبب طائرة مُسيرة اخترقت مجال المطار       أخبار فلسطين طائرات الاحتلال الاسرائيلي تقصف مواقع للقسام على حدود خان يونس جنوب قطاع غزة      دعا لانتفاضة ثالثة..نصر الله: نطالب بالتئام محور المقاومة لوضع استراتيجية موحدة      الاحتلال يقصف عدة مواقع في قطاع غزة ويشن حملة اعتقالات في الضفة      ما الذي يكمن خلف الأكمة للاردن// ناجي الزعبي      عباس زكي : سنغلق مكتب منظمة التحرير في واشنطن ولن نخذل نصر الله      دول الشكاء العربي وازورارها بدرر اليانكي الأمريكي *كتب: المحامي محمد احمد الروسان*       وانتصر العراق ..!! بقلم : شاكر فريد حسن      البحرينيّون يَتبرأون من زيارة وفد “هذه هي البحرين” ويرفضون التطبيع.. المقدسيون يمنعون الوفد دُخول الأقصى والغزّيون انتظروه “بالأحذية”..     
تقارير دراسات  
 

مستجدات الحملة الصهيونية على الثقافة الفلسطينية في المناطق المحتلة منذ عام 1948 إبراهيم عبد الكريم

2017-09-22
 

مستجدات الحملة الصهيونية على الثقافة الفلسطينية

في المناطق المحتلة منذ عام 1948

 

إبراهيم عبد الكريم

باحث، ورئيس التحرير،

في مؤسسة الأرض للدراسات الفلسطينية - دمشق.

 

مقدمــة..

تتلخص المهمة الأبرز للمشروع الصهيوني في بناء دولة تستقطب يهود العالم، بالهجرة أو بالدعم من الخارج، وتمتلك المقومات الذاتية والتحالفية، اللازمة للاستمرار بخوض الصراع ضد العرب على مختلف الجبهات.. وعلى هذه الأرضية، جرت بلورة صيغة للتعامل مع العرب الفلسطينيين في البلاد تقوم على النظر إليهم كغرباء(أو جوييم=أغيار) وُجدوا فيها بظروف غير عادية، وأن مصيرهم مفتوح على امتداد سكة الصراع.

وقد أدى تعريف طابع الدولة الصهيونية وهويتها، باعتبارها دولة لليهود(أو يهودية)، إلى تكوين سياسة رسمية وعامة إزاء هؤلاء العرب، تتضمن أشكالاً متنوعة من المنطلقات والأداء، حيث رفضت هذه الدولة الاعتراف بهم كجماعة قومية لها حقوق تاريخية. ويدلاً من ذلك، أطلقت عليهم تسمية قطاع أو وَسَط (مِجزار) كتعبير عن كونهم أقلية، وتم تقسيم هذه الأقلية إلى طوائف متباينة، يمكنها ممارسة حياتها الاجتماعية وطقوسها الدينية المحددة، وفق نظام "المِلّة" العثماني.

وبالتساير مع محاولات النفي الصهيوني التام لوجود هوية وكيانية عربية موحدة للفلسطينيين، انطوى التعاطي معهم كأفراد على الاستعلاء والتمييز العنصري والضغينة والتخوف الأمني(طابور خامس). ووُضعت الثقافة الفلسطينية في دائرة الاستهداف، سواء أكان من قبل جيل مؤسسي الدولة أم لدى السلطات الحاكمة تالياً، حتى الآن، نظراً لثبات العدوانية الدوغمائية الموجهة ضد العرب.

@           حملة بمنهجية محدّدة 

اتضح من المجريات على مسار الصراع، أن هناك حملة متجددة تشنها الصهيونية وكيانها الغاصب في فلسطين ضد الثقافة الفلسطينية، وفق منهجية محدَّدة، تقوم على محاولات حرمان فلسطينيي الداخل من الشرعية..

وجرّاء إخفاق هذه المحاولات، اتخذت تلك الحملة منحى العمل على تصفية الروح الوطنية والقومية، وإشاعة العشوائية في أوساطهم، وتخريب بذور تطورهم السياسي المستقل، وعزلهم عن شعبهم وأمتهم. فيما سلّمت السلطة الصهيونية (قسراً) بحالات التواصل الثقافي الفلسطيني مع الضفة الغربية وقطاع غزة، وسمحت بعلاقات ثقافية وسياسية محدودة("ملغومة" أحياناً) مع المحيط العربي، لأغراض تخدم أهدافها ومخططاتها.

استخدمت التعديات الصهيونية على الثقافة الفلسطينية وسائل متكاملة، أبرزها: الاستقطاب والهيمنة - الاستتباع - التنميط السلبي - تزييف الوعي - التشويه المتعمّد للتاريخ والتراث.. وتم سنّ عشرات القوانين التي تشكل مادةً وغطاءً للقهر القومي.

وكنتيجة متصوَّرة لتأثير هذه السلسلة من الوسائل، أرادوا تهميش الثقافة التي تتمثل(تستوعب) روح الشعب الفلسطيني وهويته الحضارية والنضالية، أو تقزيم  هذه الثقافة إلى حد صفري،  في المشهد الثقافي العام للبلاد، ورسموا لأي فعاليات ثقافية لدى العرب أن تكون أنشطة بلا سمات أصيلة، لتغدو مغتربة عن الواقع(لكن دون جدوى فعلياً).

طالت الحملة الصهيونية على الثقافة الفلسطينية كل الأشكال الملتزمة فيها، من نتاجات الفعل العقلي والوجداني والسلوكي، بمختلف أنواعها؛ الأدبية والإعلامية، والأعمال التلفزيونية والمسرحية والسينمائية, والأغنية، والفنون الأخرى. ولم تسمح السلطة الحاكمة لأي فعاليات ثقافية بأن تمرّ تحت الرادار، وتعمًدت التصرف من موقع العداء مع نوعيات كثيرة منها؛ بالمنع، أو بالتخريب، أو بالحرمان من التمويل، أو برفع القضايا في المحاكم.

في هذه الممارسات، وسواها، تكررت أساليب عدة شاعت إبّان فترة "الحكم العسكري"، الذي طبّق على العرب(1948-1966)، في سياق السعي المستشري للسيطرة عليهم. وكأمثلة؛ فُرضت على العرب الرموز التي تختص بالأكثرية اليهودية، وظل مطلوباً منهم أن يرفعوا على مؤسساتهم العَلَم الصهيوني، وأن يتفاعلوا(في بعض المناسبات) مع النشيد الصهيوني (هتكفا=الأمل)؛ ("ما دامت تخفق في القلب روح يهودية، وقدماً ترنو العين إلى صهيون، فإن حلمنا ابن الألفي سنة لم يمت في أن نكون شعباً حراً في أرضنا أرض صهيون وأورشليم")(1).. (يكفي أن تتخيلوا عربياً ينشد "ما دامت تخفق في القلب روح يهودية"!!!).. كما ظلوا مُحاصرين بفعاليات مناسبة ما يسمى "يوم هعتسمؤوت = الاستقلال" (يوم النكبة الفلسطينية)، وقوبلوا بالغضب العارم لأن الفلسطينيين أخذوا يحولونه إلى يوم لزيارة القرى المهجّرة وإبراز ما حلّ بهم..

ارتباطاً بوابل السهام الصهيونية التي تصيب الفلسطينيين وثقافتهم، قامت الحكومة الإسرائيلية(28/8/2016) بإقرار قانون "إسرائيل– دولة القومية للشعب اليهودي"، تمهيداً لتقديمه لاحقاً لإقراره بالقراءة الأولى في الكنيست، وذلك باعتماد "تسويغات سياسية" تشكل سبباً كافياً وأرضيةً قانونيةً راسخة لتمرير المزيد من القوانين العنصرية والتمييزية ضد العرب الفلسطينيين، مع تجاهل حقيقة كونهم أقلية أصلانية في وطنها، سبقت بوجودها قيام الدولة وقوانينها(2).

وعلى إيقاع عمليات التهويد، لم تهدأ محاربة اللغة العربية؛ فإلى جانب استبدال الأسماء العربية للمعالم الجغرافية بأسماء عبرية، وإلى ضآلة استخدام اللغة العربية في الدوائر والمرافق العامة، تم في حالات متعددة حظر استخدام هذه اللغة، ومن العينات الأخيرة لهذا الحظر؛ قرار بلدية بئر السبع بموافقة وزير المواصلات منع استخدام اللغة العربية في حافلات ومحطات المواصلات العامة في بئر السبع(3).

وعلى الصعيد "التشريعي"، شهدت "الكنيست" تقديم مشاريع قوانين لإلغاء هذه اللغة كلغة رسمية في الدولة، بقصد مكشوف هو تبنّي الرموز اليهودية فقط، وفرض اللغة العبرية كلغة وحيدة. وفي الواقع صارت لهذا الفرض أنياب، دون الحاجة إلى تمرير تلك المشاريع؛ فاللغة العبرية تعدُّ المدخل لأي علاقة عمل أو اتصال مع اليهود، وهي اللغة الوحيدة المعتمدة في التدريس بالجامعات، وكثيراً ما يجري رفض قبول العرب في التعليم العالي بسبب عدم استيفاء شروط القبول لامتحان اللغة العبرية للعرب(ياعيل)، كما يشكل اختبار القبول الخاص بالجامعات(البسيخومتري)(4)، الذي وضع منذ مطلع الثمانينات غربالاً ضيق الفتحات، إلى جانب الشهادة الثانوية(البجروت)، للتحكّم بتحصيل العرب الأكاديمي. تضاف إلى هذا عقبات التشغيل التي توضع في طريق الخريجين. وبالتالي، يبدأ التنافس أو السباق من نقطتين مختلفتين لصالح اليهودي.

واستُخدمت قيود صارمة على منح رخص استيراد كتب من مصر والأردن، مصدرها سورية ولبنان والعراق، بحجة أنها صدرت في "دول عدو"، حتى لو جرى استيرادها عن طريق دولة لا ينطبق عليها هذا التعريف، وهو ما يحرم العرب من منهل ثقافي هام.

على العموم يعاني العرب من إصرار السلطة الحاكمة على إخضاعهم للمعايير اليهودية، ودفعهم إلى ممرات إجبارية، يتعذر على الكثيرين منهم اجتيازها، بسبب إمعان السلطة في حرمانهم من امتلاك الأدوات اللازمة للتعبير عن ذاتهم بحريّة.

@           تمييز عنصري في مخصصات الثقافة

يُفهم من هذا أن فرض العدمية القومية، يحدث تحت يافطة الاندماج، التي رفعت كشعار سياسي وثقافي منافق في الوسط اليهودي، وظلت كذلك. لكنّ هذه اليافطة سرعان ما تسقط بفعل رياح التمييز العنصري ضد الأقلية العربية، حيث يترافق التطلع لطمس هويتها مع الرغبة بإقصائها عن دائرة التمتع بالحقوق الطبيعية.

ومع أن الفلسطينيين في سريرتهم لا يتوقعون من عدوّهم أن يحترم هذه الحقوق، بيد أنه بفعل مواطَنَتهم(مهما كانت منقوصة) وتسديدهم للضرائب(الظالمة في غالبية الأحيان)، يُفترض أن ينالوا ما يتناسب مع حجمهم السكاني من الميزانيات.. لكنّ هذا المبدأ غير معترف به، طبقاً لسياسة التمييز المطبقة عليهم. ومن الأمثلة على هذا؛ أظهرت معطيات طرحت في جلسة للجنة البرلمانية للتربية والثقافة والرياضة(24/6/2015)، بحضور المديرة العامة لوزارة الثقافة والرياضة أورلي برومان, ونواب الكنيست العرب وممثلين عن الفنانين العرب, أن ميزانية الثقافة العربية تعادل 3.2% فقط من مجمل ميزانية الوزارة, وتقف عند مليون شيكل في السنة. وتتلقى الثقافة العربية نحو 14مليون شيكل سنوياً, أي نحو 7 شيكلات فقط لكل مواطن عربي, مقابل 80 شيكلاً لليهودي. وإزاء هذه المعطيات، احتجّ الحضور العرب على التمييز، وطالبوا برفع الميزانية لتتساوى مع نسبة العرب من مجمل السكان/20% على الأقل. وكشفت دراسة استطلاعية أجريت خصيصاً للجنة، وجود نواقص أساسية لدى التجمعات السكنية العربية، هي؛ الافتقار إلى البنى التحتية على مستوى البناء, وعدم وجود أقسام ثقافة في السلطات المحلية, وغياب دعم مالي كاف في الهيئات الثقافية.. وقد ركّز النواب العرب على وجوب إحداث تغيير بإخراج الثقافة العربية من مسار الانحدار إلى اتجاه التقدم. فدعا النائب أيمن عودة(رئيس القائمة المشتركة) إلى ضرورة تضييق الفجوة بين المجتمعيْن العربي واليهودي، وطالب وزارة الثقافة بأمور عدة بينها: إقامة متاحف, ودعم الإنتاج الأدبي العربي, وإقامة مكتبات عامة, وإلغاء ارتباط الحكم المحلي بوزارة الثقافة, الذي يحول دون إقامة مؤسسات ثقافية في البلدات العربية بسبب نقص الميزانيات في السلطات المحلية العربية.. وماذا كان الجواب؟!.. ضمن الردود والمناكفات، قالت أورلي برومان المديرة العامة للوزارة: "أنا أتحدث أيضاً باسم وزيرة الثقافة ميري ريجف, التي أكدت أن الوزارة حددت لنفسها بين أهدافها تعزيز التراث اليهودي وتعزيز الصهيونية". وظلت هذه الإجابة قائمة، رغم تأكيد النائب أحمد الطيبي أن "الميزانية هي من حق المواطنين وليست خاضعة للوزير الذي يقف على رأس الوزارة"(5).

@           الملاحقات وابتزاز الولاء

شهد العامان الأخيران تصعيداً في الاعتقالات السياسية واستشراس الأجهزة الأمنية والقضائية ضد المواطنين العرب في الداخل، وخاصةً الناشطين في الساحة الثقافية، في مناخ عام يُذكّر بمرحلة "المكارثية"(الإرهاب الثقافي الموجّه ضد المثقفين في الولايات المتحدة في خمسينات القرن الماضي).

وراحت تتضخم الملفات الأمنية، واتسعت عمليات الاعتقال، وازداد استدعاء الشخصيات الوطنية والقومية العربية للتحقيق لدى الأجهزة القمعية، وطُلب إلى العديد من الصحفيين والكتاب والأدباء والفنانين الحضور إلى مكاتب الشرطة وجهاز الأمن الداخلي(الشاباك)، لمساءلتهم حول نتاجاتهم ومشاركاتهم خارج الحدود. بينما أتاحت تلك الأجهزة لبعض المثقفين المتجاوبين معها هوامش للحركة، وضمناً في الطباعة والنشر، بما يعمّق الطابع الاستهلاكي لقسم من النتاجات الثقافية، وبما ينسجم مع امتصاص الطاقات وتوجيهها بعيداً عن النهوض بالواقع.

انسجاماً مع الملاحقة السياسية والأمنية والقضائية المسعورة للمثقفين الفلسطينيين، تفتَّق العقل الصهيوني الناقم عليهم عن ربط الحقوق المدنية بشرط "الولاء للدولة"، وقوننة هذا الربط في الميدان الثقافي لتعميمه لاحقاً في الميادين الأخرى.

وكمفردة من سجل طويل، عرضت وزيرة الثقافة(اللاثقافة) ميري ريجف(27/1/2016) على لجنة التربية والتعليم والثقافة والرياضة في الكنيست، اقتراح "قانون الولاء في الثقافة"، لتمكين الوزير الذي يمنح ميزانيات، من وقفها أيضاً. وتقترح ريجف بموجبه "منع الميزانيات عن كل من يمس علم الدولة أو رموزها أو يحرّض على العنصرية والعنف أو الإرهاب أو يعتبر(يوم الاستقلال) يوم حداد أو يلغي وجود الدولة كدولة يهودية وديمقراطية"(6).. وغنيّ عن البيان أن صوغ المشروع بهذه الكيفية يستهدف العرب أساساً، ليكون سلاحاً آخر يشهر في وجهم، بغية استجرار استجابات امتثالية أو خانعة.     

إذن، تتطلع الوزيرة ريجف لتسليمها صلاحية منع تمويل من تريد من المؤسسات الثقافية، وهي صلاحية تخضع حالياً لوزارة المالية. وقد نُشرت تقارير عن أن ريجف تريد زيادة الغرامة التي ستفرض على "المؤسسات التي تخرق القانون"(الذي عُرف أيضاً بأنه "قانون النكبة") عبر ما يسمى "الدعوة إلى رفض وجود إسرائيل كدولة للشعب اليهودي، ورفض طابعها الديمقراطي، أو الاعراب عن دعم الإرهاب أو الكفاح المسلح".. وخلافاً للوضع الحالي، يقترح القانون الجديد السماح للوزارة بمنع التمويل مسبقاً، أي كهجوم استباقي، وليس بعد حدوث "الخرق القانوني"., وادعت ريجف أنها ترفض أن تكون بمثابة "صراف آلي"(7).

ولإعطاء هذا المشروع زخماً، وافق عليه المستشار القضائي للحكومة أفيحاي مندلبليت(24/2/2016)، مما سيتيح طرحه على اللجنة الوزارية لشؤون التشريع، ثم بعد تبنيه سيطرح على الكنيست لتمريره. وتفاخرت ريجف بأن وزارة الثقافة، التي تتحمل مسؤولية تمويل مؤسسات ثقافية، تخوّل للمرة الأولى الصلاحيات المطلوبة لضمان ألا تكون المؤسسات فوق القانون، على حد تعبيرها. وادعت ريجف أن هذا "إنجاز كبير للديمقراطية، بحيث تكون للحكومة حرية التمويل وحرية اختيار من تموّله الدولة بموجب قوانينها وقيمها وسياستها"(8).

في موازاة ذلك، كان هناك من حرص على تفادي الإدانات الدولية لمشروع القانون،   فاحتجت "جمعية حقوق المواطن"، على موقف الوزيرة، وأعلنت نائبة المستشار القانوني للحكومة، المحامية دينا زيلبر، في رسالة جوابية بعثت بها إلى هذه الجمعية، أن "اشتراط تحويل الميزانيات إلى المؤسسات الثقافية، بفحص البرامج التي تقدمها، حسبما أعلنت الوزيرة ريجف، هو مسألة تمس بحرية التعبير، ولا تستند إلى أساس قانوني. وفي كل ما يتعلق بمراسم منح الجوائز الثقافية، إن اشتراط دعمها باطلاع وزيرة الثقافة على البرنامج مسبقاً، وعلى هوية المتحدثين أو محتويات كلماتهم، غير ممكن بتاتاً. وتم توضيح هذا الأمر للوزيرة". غير أن ريجف رفضت وجهة النظر هذه، وقالت: "يؤسفني أن نائبة المستشار تدعم تحويل المسرح الفني إلى قاعدة للمس بدولة إسرائيل وقيمها، وسأحارب ذلك بكل الوسائل القانونية"(9).

ولوّحت ريجف بعصا أخرى من حزمتها القومجية، فاقترحت قانوناً يُلزم كل المؤسسات التي بنيت بتمويل من الدولة برفع علم إسرائيل، ويشمل ذلك الملاعب والقاعات والمسارح التي تنطبق عليها هذه الصفة، وقالت ريجف: "يوم الاستقلال(!) وذكرى شهداء(قتلى) معارك إسرائيل يحتّم علينا الحفاظ على قيم الدولة ورموزها. وليس من المعقول أن يخضع رفع العلَم في المؤسسات الثقافية والملاعب الرياضية لرأي شخص كهذا أو ذاك"(10).. ولا يخفى هنا أيضاً بوجه من تُرفع هذه العصا.

@           قصائد محمود درويش كنموذج

بين أنساق الحملة الصهيونية على الثقافة الفلسطينية، تعرضت قصائد محمود درويش لقدر كبير من العدائية، وأُتخِِم بها الخطاب الدعائي الصهيوني، المشبَع بالكراهية. ورغم أن هذا الخطاب طُرح على الساحة الداخلية للهيمنة على الفضاء السياسي الصهيوني، لكنه أقحَم درويش ليكون في مفصل هام للعلاقة بين العرب واليهود، وأرادت السلطة تعميمه وتحويله إلى اتهام لكل الفلسطينيين، بما تحتوي قصائده من مواقف انتقادية أو ساخطة.     

ضمن ما قدمّوه عن درويش، بيّنوا أنه عُرف منذ بداية كتاباته بشاعر المنفى واللاجئين، بما تجعل منه رمزاً. ومقابل نجاحه الذي انعكس، أيضاً، في الدعوة للمشاركة في أمسيات شعرية أقيمت في البلاد، فقد اعتقل مرات عدة (وخاصة بعد خرقه أمر منعه من مغادرة حدود حيفا). وفي 1969 سافر للمشاركة في مؤتمر سياسي في الخارج ولم يرجع، وتنقّل بين باريس وموسكو، وعاش في مصر وانضم إلى المجلس الوطني الفلسطيني، فتم منعه من العودة إلى البلاد. وفي سنوات الثمانينات انضم إلى منظمة التحرير وأدار مركز الأبحاث التابع لها في بيروت. وفي عام 1988 صاغ "وثيقة الاستقلال" الفلسطينية. وتعمّد كثيرون الحديث عن العلاقات المتوترة بين درويش والدولة، وعن نظرته السلبية للرموز الكبيرة من الشعراء والمثقفين اليهود، أمثال؛ حاييم نحمان بياليك ويهودا عميحاي(11).

وتابعت الأوساط الصهيونية نتاجات درويش وهو خارج الوطن، بالترجمة والنقد، وخاصة تلك التي تتصف بوتيرة صدامية عالية، ومن العيّنات التي نًُشرت؛ مقال نقدي عن "حالة حصار"(التي كتبها عام 1982 عندما كانت القوات الصهيونية تهاجم بيروت، التي علِق فيها درويش)، ونص "ذاكرة للنسيان"(الذي ترجم للعبرية ونُشر عام 1989)(12).

ونشرت صحيفة "معريف" في 1988، إثر اندلاع انتفاضة الحجارة، ترجمة لقصيدته "عابرون في كلام عابر"، فاستجرّت غضباً منفلتاً، وجرى التنبيه لدعوته؛ "احملوا أسماءكم وانصرفوا. واسحبوا ساعاتكم من وقتنا، وانصرفوا.. أيها المارون بين الكلمات العابرة.. آن أن تنصرفوا، وتقيموا أينما شئتم ولكن لا تقيموا بيننا، آن أن تنصرفوا، ولتموتوا أينما شئتم ولكن لا تموتوا بيننا..".. ورغم أن درويش ادعى أن هذه القصيدة تُرجمت بشكل غير صحيح وتم فهمها بطريقة خاطئة، وأنه لم يدعُ يوماً إلى طرد اليهود، إلا أن التنديد بها توالى لدى العديد من المسؤولين والمثقفين الصهاينة. وفي خضم الاضطراب الذي وقع بعد نشر القصيدة، تنكَّر لدرويش من حافظوا على علاقة طويلة معه، وكان منهم الشاعر حاييم غوري، الذي يتذكر قائلاً: "كانت هناك أمور أثارت غضبي، وكتبت عنها ببالغ الشدة، فإحدى قصائده العنيفة جداً سببت اضطراباً، والكثير من رجال اليسار كتبوا بقسوة بالغة ضده، وأصبت بالصدمة كيف كتب هكذا"(13). وأخذت تخبو الأصوات الداخلية التي تساءلت عن فائدة ترجمة قصائد درويش أصلاً.

كما أثارت هذه القصيدة نقاشاً في الحلبة السياسة الصهيونية، على خلفية الانتفاضة، حتى أن رئيس الحكومة يتسحاق شامير قرأ بعض مقاطعها في الكنيست، وفسّرها بأنها تُعادل دعوة إلى "التطهير العرقي"، وأكد أن الغرض من الانتفاضة هو طرد اليهود من البلاد(14).

وعلى مدى السنوات التالية، ظل الصهيونيون يقدّرون أن قصائد درويش تعدّ مصدراً لشحن مشاعر الفلسطينيين.. ففي أيلول 1995، سمح رئيس الحكومة ووزير الحرب يتسحاق رابين لدرويش أن يزور غزة مدة أربعة أيام، فقط غزة، وليس الضفة، حيث تم تحذير رابين من أن درويش سيؤجج الوضع السياسي. ويروي الصحفي الشهير ناحوم  برنيّاع أنه ذهب آنذاك إلى غزة، وكتب في حينه أن "درويش استقبل في غزة استقبال الأبطال"، وأن "درويش تحدث ضد اتفاق أوسلو الذي كان في مراحله الأولى(.. ضده!!.. غريب(15)!!.. ربما يكون هذا مفاجئاً لكثيرين- الباحث)، ورغم نشوة هذا الاتفاق فقد كانت أقوال درويش مستفزِّة". ويقول برنيّاع: "الآن، بنظرة إلى الوراء، تبدو أقوال درويش كأنها نبوءة؛ "هذا ليس سلاماً"، قال درويش، "أيّ سلام هذا الذي فيه كل خروج يحتاج إلى إذن من إسرائيل؟!، يبدو لي أن غزة هي سجن واحد كبير.. الإسرائيليون لا يريدون السلام".. يتابع برنيّاع: سألته لماذا عارض الاتفاق؟!، فقال: "الاتفاق لم يكن تبادلياً، منظمة التحرير اعترفت بإسرائيل، وفي المقابل اعترفت إسرائيل بزعامة عرفات.. هذا ليس تبادلية.. تخيّلوا أنه بدل الاعتراف بدولة إسرائيل اعترفنا بحكومة رابين.. طريقة الترتيبات داخل الترتيبات والمراحل خاطئة من أساسها، قلت لعرفات، من الأفضل الذهاب إلى اتفاق حكم ذاتي يشمل كل المناطق، ومن الأفضل توقيعه دون توقيع منظمة التحرير".. وحين تحدثنا - الكلام لبرنيّاع - عن الالتقاء بين الحلم والواقع، قال درويش: "الحلم يمكن الحفاظ عليه في كل مكان، لكن فقط ليس في كف اليد، فعندما تحاول الإمساك به يهرب"(16)..

وفيما بعد، بالتزامن مع فترة "التفاؤل" الصهيوني باقتراب التسوية، تصاعدت دعوات كثيرة للاهتمام بشعر بدرويش، استجاب لها وزير التعليم يوسي سريد(عام 2000)، وصرّح بأنه ينوي دراسة إمكانية إدراج بعض قصائده في المناهج العبرية، وعدم الانتظار إلى أن يُدرّس الفلسطينيون قصيدة "إلى العصفور" (الشهيرة لبياليك، عن الأشواق إلى الوطن)(17).

استساغ بعض الشعراء اليهود فكرة سريد، من زاوية؛ "يجب أن نعرف خصمنا"، على حد قول الشاعر والمحرر إليعاز كوهين، المستوطن في كفار عتسيون(جنوب القدس)، ومن مؤسسي مجلة الشعر اليهودي "مشيف هرواح = رد الرياح". وكتب كوهين قصيدة بإلهام من درويش، وقرأها في أمسية أقيمت في بيت بياليك في تل أبيب، وأثنى على قرار يوسي سريد. وكان رأي كوهين؛ "من المهم أن يعرف أحدنا الآخر، ليس فقط من فوهة البندقية، وإنما عبر خلجات القلب، فقد قال درويش إن كل شاعر يبنى من ألف شاعر سبقوه، وبالنسبة لي درويش هو كذلك، وأعتقد أن أهميته تتحقق حتى بأقواله القاسية لأنها تعبّر عن التجربة الفلسطينية، وعن مشاعر فقدان الوطن، والتحول إلى أقلية، وعليّ كيهودي وكمستوطن وكإنسان أن أقرأ قصائده، ومع أنني أواجه صعوبة مع بعضها، لكن هذا جزء من الصراع، وكيف سنعرف المواجهة إذا لم نعرفه؟!، فالقصيدة هي أعمق تيارات الثقافة في المجتمع"(18).

أما في الأطر السياسية، فقد حدثت ضجة في أروقة الكنيست، بعد تصريح يوسي سريد، وكانت الخاصيّة المثيرة لبعض قصائد درويش في قلب النقاش، وبالنتيجة ألغيت الخطة. وعلّق درويش على ذلك، في لقاء مع صحيفة "نيويورك تايمز"، قائلاً: "الاسرائيليون غير معنيين بتعليم أولادهم أن هناك قصة حب بين شاعر عربي وهذه الأرض"(19).

وغاظ الأوساط الثقافية الصهيونية أن يكون لقصائد درويش كل هذا الصدى، الذي ظل يتردد بين حين وآخر، وهو ما حفز المفكر والأديب اليهودي الشرقي سامي شالوم شطريت لكتابة قصيدة بالعبرية، مطولة إلى حد مبالغ فيه، ونَزِقة جداً، بعنوان "جدارية بلا جدار"،  اختار عبرها مخاطبة محمود درويش، على غرار "النقائض" الأدبية، وألقاها في بئر السبع (في28/11/2006).. وجاء فيها: كلُّ تلك الكلمات لن يكون فيها خلاصُكَ أو خلاصي؛ ذلك أنّني في حياتي إنّما أجسِّدُ موتَكَ.. أنتَ تختنقُ لأنَّني أتنفّس.. أنتَ تجوعُ لأنَّني آكُلُ.. أنتَ مقيَّدٌ لأنَّني طليقٌ.. سَجِّل: سلاسِلُ قَيْدِكَ جناحانِ لي.. سَجِّلْ: وُلدتُ يهوديّاً مِنْ موتِكَ، موتِكَ العربيِّ فيَّ، ثم انطلقنا نَرْقصُ "هورا" ذاك البولنديُّ وأنا، فامتلأتُ بفخرٍ يهوديٍّ جديدٍ، وبأسنانِ ذئبٍ جارحةٍ.. أمّا أنتَ فـ "روحْ مِنْ هونْ!"(20).

ولم تتوقف نزعات شيطنة شعر درويش، حتى حول لقطة عاطفية من سيرته.. ففي عام2014، عرضت ابتسام مراعنة، في فيلم توثيقي أخرجته، حكاية الحب التي جمعت درويش مع تمار بن عامي، رفيقته اليهودية في الحزب الشيوعي، عندما كانا شابين وأقاما في حيفا، وكيف انتهت هذه الحكاية مع تجند تمار في الجيش، فكتب عن ذلك قصيدة "ريتا والبندقية"(21)، التي بدأها بشطر: "بين ريتا وعيوني بندقية"، والتي حكموا عليها بأنها تتعلق بموقف مواطن في البلاد مناهض للجيش، ويكفي هذا لاعتباره عدواً، لا يحق له أن يقيم أي علاقة عاطفية مع يهودية، حتى لو كانت رفيقة له في الحزب.  

وعلى امتداد مسلك النكد، استحوذت قصيدة "بطاقة هوية"(22)، باهتمام صهيوني لافت، منذ أن صدرت ضمن ديوانه الشعري الثاني(1964)، لكونها تقدم شهادة إدانة لواقع الظلم، بصرف النظر عن النقطية الزمنية لها. ونظراً للتفاعلات التي اشتعلت على الساحة الصهيونية، مؤخراً، جرّاء هذه القصيدة، كنص أضاء لديهم محطات من السيرة الأدبية والنضالية لدرويش، ثمة ما يستدعي قراءتها تحليلياً، من منظور الفكر السياسي، لاستيضاح أبعاد الحدث..

 مما يستوقف المتابع هنا، أن قصيدة "بطاقة هوية"، وإن كانت تعبّر عن المعاناة والقضايا الوطنية والاحتجاج من منظور شخصي، بيد أنها تُفصح عن ملامح بيئتها الحاضنة، ممثلة بعلاقة التحدي والتناقض التام بين المشروع الاستيطاني الإحلالي الصهيوني والمواطنين العرب سكان البلاد الأصليين، حيث تلخص القصيدة الجوانب الرئيسة للوضعية الطبيعية بين الطرفين/الخصمين؛ الوجود العربي والبنية الطارئة الضاغطة عليه التي أوجدتها الصهيونية.

منذ البدء بقراءتها، يلحظ الطرفان، كل من جانبه، أن الأمر يتعلق بواقع مأزوم، لخصته القصيدة بتعبيرات واضحة، شكّلت مكافئاً معرفياً للحالة التي كانت تمرّ بها البلاد(ولا تزال)؛ فحَضَرت فيها قضايا الأرض والديمغرافيا والتاريخ والحضارة وحركية المواجهة ونوعية العلاقة السائدة بين الطرفين.

بنيوياً، تتألف قصيدة "بطاقة هوية" من خمسة مقاطع، يبدأ كل منها بعبارة "سجل أنا عربي".. ومجرّد إيراد هذه العبارة، في فترة "الحكم العسكري"، كان يعني صرخة مدوّية ضد محاولات تذويب الهوية القومية للعرب الفلسطينيين والتدجين(والأسرلة)، التي كانت تتبعها السلطة الحاكمة.. ولنقرأ: "سجِّل أنا عربي.. ورقمُ بطاقتي خمسونَ ألفْ.. وأطفالي ثمانيةٌ.. وتاسعهُم.. سيأتي بعدَ صيفْ!.. فهلْ تغضبْ؟.. سجِّلْ أنا عربي.. وأعملُ مع رفاقِ الكدحِ في محجرْ.. وأطفالي ثمانيةٌ.. أسلُّ لهمْ رغيفَ الخبزِ، والأثوابَ والدفترْ.. من الصخرِ.. ولا أتوسَّلُ الصدقاتِ من بابِكْ.. ولا أصغرْ.. أمامَ بلاطِ أعتابكْ.. فهل تغضب؟.. سجل أنا عربي.. أنا اسم بلا لقبِ.. صَبورٌ في بلادٍ كلُّ ما فيها.. يعيشُ بفَوْرةِ الغضبِ.. جذوري قبلَ ميلادِ الزمانِ رستْ.. وقبلَ تفتّحِ الحقبِ.. وقبلَ السّروِ والزيتونِ .. وقبلَ ترعرعِ العشبِ.. أبي من أسرةِ المحراثِ.. لا من سادةٍ نُجُبِ.. وجدّي كانَ فلاحاً.. بلا حسبٍ ولا نسبِ.. يُعَلّمني شموخَ الشمسِ قبلَ قراءةِ الكتبِ.. وبيتي’ كوخُ ناطورٍ.. منَ الأعوادِ والقصبِ.. فهل تُرضيكَ منزلتي؟.. أنا اسم بلا لقبِ.. سجلْ أنا عربي.. ولونُ الشعرِ فحميٌّ.. ولونُ العينِ بنيٌّ.. وميزاتي: على رأسي عقالٌ فوقَ كوفيّه.. وكفّي صلبةٌ كالصخرِ.. تخمشُ من يلامسَها.. وعنواني: أنا من قريةٍ عزلاءَ منسيّهْ.. شوارعُها بلا أسماء.. وكلُّ رجالها في الحقلِ والمحجرْ.. فهل تغضبْ؟.. سجِّل أنا عربي.. سلبتُ كرومَ أجدادي.. وأرضاً كنتُ أفلحُها.. أنا وجميعُ أولادي.. ولم تتركْ لنا ولكلِّ أحفادي.. سوى هذي الصخورِ.. فهل ستأخذُها حكومتكمْ كما قيلا!؟.. إذنْ .. سجِّل.. برأسِ الصفحةِ الأولى.. أنا لا أكرهُ الناسَ.. ولا أسطو على أحدٍ.. ولكنّي.. إذا ما جعتُ.. آكلُ لحمَ مغتصبي.. حذارِ.. حذارِ.. من جوعي.. ومن غضبي".

ولاعتبارات تتصل بموضوع هذا البحث، وبالبعد الثقافي للصراع، يمكن إيراد جملة من الأفكار الرئيسة في هذه القصيدة، أبرزها:

ـ التأكيد على الهوية القومية العربية/ النقيض الموضوعي للهوية القومية اليهودية المزعومة المهيمنة في البلاد.

ـ اختيار رقم مدروس لأطفال العربي المتكلم، الموجود والمنتظَر، كردّ غير مباشر على السلطة الحاكمة التي ترى في عدد المواليد العرب خطراً ديمغرافياً. 

ـ تعرية أعمال المصادرة الصهيونية المتوحشة للأراضي وسرقة الممتلكات العربية، وتحويل الفلاح العربي إلى عامل أجير في مقلع للحجارة، مع اضطهاده طبقياً.

ـ إصرار على رفض الرضوخ كثمن للحصول على مقومات الاستمرار والبقاء في الوطن.

ـ عدم الانقياد إلى معركة غير متكافئة، ومراكمة الطاقات النضالية الكامنة الغاضبة الناقمة.

ـ التنويه بأزلية وجود العرب في البلاد وعراقة تاريخهم.

ـ التركيز على الانتماء إلى الأرض والالتصاق بها مقابل الطفيلية وحالة التسيّد الصهيونية.

ـ بيان مناقب العزة والشموخ والنبل والكرامة للتنشئة النفسية والاجتماعية والثقافية والسياسية التي ينقلها الأجداد لأحفادهم وأسباطهم.

ـ عدم التذمّر من بساطة العيش والسكن، ورفض اعتبار هذه البساطة كإهانة، انطلاقاً من حقيقة قياسية هي أن المنزلة أهم من المنزل. 

ـ الاستظلال بالصفة الجماعية العربية، وتهميش السمة الشخصية أمام الكل أو العام القومي.

ـ الافتخار بالقسمات الفيزيولوجية وبالملامح ونوعية اللباس المتعلقة بالشخصية العربية، في مواجهة القوْلَبة(النمطية) الصهيونية، التي تتهم هذه الشخصية بنقائص، وتحكم عليها من منظور عنصري يعتمد توصيفات معينة للهيئة وللخصائص الجسمية - كألوان البشرة والشعر والعيون – وفق مرجعية مستمَدة من مقولات تفوق العرق الآري.

ـ إبراز قسوة الآثار الناجمة عن الأعمال الشاقة التي يمارسها العربي وبصماتها على شخصيته ومعيشته، والربط بين هذه القسوة والواقع الذي أوجده المشروع الصهيوني.

ـ الاعتزاز بقيمة العمل، فردياً وجمعياً، والصبر على الأوضاع  والظروف المزرية التي تعيشها القرى العربية.

ـ فضح الممارسات والتوجهات الصهيونية وسياسة الاضطهاد الرامية لتقويض دعائم وجود العرب في وطنهم.

ـ أخيراً؛ بيان ما يترتب على الظلم الصهيوني، بتقديم المحصلة النهائية، دفعة واحدة بلا مواربة، والتحذير من تداعيات الحرمان والقمع، التي لا تجعل للعربي خياراً آخر سوى الانقضاض على عدوه دفاعاً عن النفس.. وهذه ذروة دراماتيكية تمتاز بتحوُّل الكُمون إلى فعل.

.. من المفترض أن الصهيونيين يدركون هذه المضامين وسواها للقصيدة ومفاعيلها على مرّ الأجيال الفلسطينية.. وبتأثير الدلالات الرمزية المكتظة، الجليّة في القصيدة، كان تقديرهم أن تمريرها يفتح الباب للتسليم بها كحقائق ماثلة.

@           الحلقة الإذاعية/القنبلة

 اتساقاً مع هذا التقدير، استنفرت أدوات السلطة الحاكمة قدراتها لوأد التجربة الإعلامية الجديدة التي تطرقت إلى محمود درويش وشعره، ولاسيما قصيدة "بطاقة هوية"، في إذاعة الجيش(جالي تساهل = موجة جيش الدفاع الإسرائيلي)، التي صُمّمت وظيفتها بالأساس لتكون في خدمة التعبئة الصهيونية السياسية والثقافية والعسكرية، لا في طرح موقف الخصم.

جاء هذا الطرح، بمبادرة خاصة، ضمن حلقة في برنامج أكاديمي الطابع، بثت يوم 19/7/2016، استغرقت نحو ثلاثاً وعشرين دقيقة(23)، في إطار دورة دراسية لنصوص "تأسيسية"، تحت مسمى "الجامعة الإذاعية". حيث تضمنت الحلقة حواراً باللغة العبرية قام فيها المذيع كوبي مَيْدان باستضافة الطيب غنايم(وهو باحث وأكاديمي وشاعر ومترجم، يكتب باللغتين العربية والعبرية، عمره 34 عاماً، ويقيم في باقة الغربية في الداخل الفلسطيني، وابن الأديب المرحوم محمد حمزة غنايم الذي ترجم أعمال محمود درويش إلى العبرية).

أخذوا على الحلقة أنها تناولت شأناً عربياً وجعلته موضوعاً للتداول.. وأكثر من هذا، أنها قامت بتفجير قنبلة من العيار الثقيل، بالحديث عن محمود درويش، وبقراءة متكررة لقصيدته "بطاقة هوية"، التي تخوّفوا من أنها تتيح تسلل رواية الآخر(العربي) تلقائياً إلى ذهنية المتلقي اليهودي، وخاصة في المؤسسة العسكرية التي تتبع إذاعة الجيش لها.

لدى الاستماع إلى الحلقة، يمكن تلخيص محاورها الرئيسة كالتالي:

ـ صوت مذيعة يقدم تعريفاً بموضوع الحلقة، والتنويه بأن مقدمها هو كوبي مَيْدان، وضيفها الطيب غنايم والتعريف به بأنه محاضر في كلية بيت بيرل.

ـ قيام المذيع بتقديم نبذة مقتضبة عن محمود درويش، بأنه أكبر شاعر وطني فلسطيني، توفي في تكساس في الولايات المتحدة عام 2008، وولد وترعرع في قرية البروة في الجليل الغربي(وهي قرية مهجَّرة مدمَّرة، قضاء عكا، أقيمت على أنقاضها المستعمرتان اليهوديتان أحيهود ويسعور- الباحث). مع إشارة إلى نشاطه السياسي والأدبي في البلاد وخارجها.

ـ حديث الطيب غنايم عن سيرة حياة محمود درويش، خلال إجابته على أسئلة المذيع حول الشاعر والمجتمع الفلسطيني.

ـ تركيز المذيع وغنايم على قصيدة "بطاقة هوية".. قراءة غنايم المقطعين الأول والثاني من القصيدة بنصها العربي.. تبعتها قراءة المذيع مقاطع من الترجمة العبرية للقصيدة(تيعودات زيهوت)، وهي ترجمة ذكر المذيع أنها من عمل البروفيسور سامي شالوم شطريت.

ـ الحديث ثانية عن حياة درويش ونشاطه السياسي والثقافي خارج البلاد ومواقفه وكيف تعاملت وزارة التعليم الصهيونية مع شعره.

ـ عودة إلى قراءة النص العربي والترجمة العبرية للقصيدة، والتعليق عليهما وعلى أفكار محمود درويش في مسائل شتى.

.. خلال الحوار، استُخدمت كلمات ذات وقع سياسي خاص، مثل؛ وطني، نكبة، احتلال، حكم عسكري، قرية مدمَّرة.. إلخ.. وتم التشديد على أن القصيدة ظهرت عندما كان عرب الجليل تحت "إدارة عسكرية"، ووصفها المذيع بأنها كانت صرخة ثائرة لفلسطيني فخور بوجه جندي إسرائيلي يقوم بتفتيشه.. لكن في الوقت ذاته كانت آراء المذيع توحي بتسخير درويش في تنبيه اليهود إلى صورتهم في المنظور الفلسطيني، وكانت تعليقاته مُثقلة بنبرات استنكارية للقصيدة وما تمثله لدى الفلسطينيين.. ومع هذا وضعوا المذيع والإذاعة على صفيح ساخن، لاعتبارات ذاتية.

@           ردود هستيرية

قوبلت الحلقة الإذاعية بردود واسعة النطاق، عصابية وغير مسبوقة، على المستويات الرسمية والعامة، وبدا أن درويش -حتى وهو ميت- يقضّ مضاجعهم ويحوم فوق رؤوسهم كطائر شؤم، وكانت النقاشات تكشف معاني إضافية لطبيعة المواقف.. ويمكن رصد أسخن هذه الردود كما يلي:

ـ وزيرة الثقافة(اللاثقافة) ميري ريجف:

سارعت أثناء بث البرنامج، إلى نشر بيان تضمن نقداً لاذعاً لإذاعة الجيش، بروح مهمة ريجف السابقة، كضابط برتبة عميد، يوم كانت تتولى منصب الرقابة على الإعلام والناطق باسم الجيش، قالت فيه: "لقد انحرفت إذاعة الجيش عن الطريق.. إذاعة عسكرية في وزارة الأمن لا يمكنها أن تسمح لنفسها بتمجيد وتجميل النصوص المعادية لإسرائيل.. لا يمكن أن يقبل الجمهور تمويل إذاعة تضر بمشاعره وتوفر منصة للدعاية الفلسطينية التي تعارض حقيقة وجود إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية!!". واقتبست ريجف بضعة أبيات من قصيدة "بطاقة هوية"، كي تثبت أن درويش يعارض وجود دولة إسرائيل بالأساس(24).

وصرّحت ريجف على صفحتها في موقع "فيسبوك": "علينا التصدي للتحريض لدى الفلسطينيين، الذي يظهر في كتبهم التدريسية وفي وسائل إعلامهم، ويحظر أن نمنحهم منبراً إضافياً بتمويل جماهيري، في محطة عسكرية". وناشدت وزير الحرب بالتخلي عن الإذاعة، قائلة: "أطالب مجدداً الوزير ليبرمان، بترتيب الأوراق، ويجب إخراج غالي تساهل من جهاز الأمن"(25).

وإبّان مراسم توزيع جوائز السينما المحلية، في "قصر الثقافة" في مدينة أسدود(مساء الخميس23/9/2016)، غادرت ريجف، القاعة احتجاجاً على قيام الفنانيْن يوسي تسابري وتامر نفّار بأداء أغنية "سجل أنا عربي". وبعد دقائق عادت ريجف إلى القاعة، وعقّبت بالقول: "لن أكون ضمن جمهور مستمعين لقصائد محمود درويش". وقالت ريجف إنها لم تكن تعرف، قبل مجيئها أنه ستلقى في الحفل قصائد لدرويش الذي اعتبرته "شاعراً محرضاً وينشط ضد الشعب اليهودي"، علماً أنه توفي منذ 8 سنوات. وبعد ذلك، صعدت ريجف إلى المنصة، وبدأت بإلقاء كلمتها، فأثارت اضطراباً جعل العديد من الحضور يغادرون القاعة. وحين فاز فيلم "عاصفة رملية"(الذي يحكي قصة امرأتين بدويتين، من بطولة لميس عمار وربى عصفور) صعدت ريجف إلى المنصة لتقديم الجائزة له كأفضل فيلم، وقالت: "لدي الكثير من التسامح مع الآخر، لكنني لا أتسامح مع درويش، ولا مع كل من يريد القضاء على شعب إسرائيل، نحن نوافق على بداية القصيدة "سجل أنا عربي"، ولكن عندما يقول في نهاية القصيدة "آكل لحم الشعب اليهودي"(الصحيح قوله؛ ولكني إذا ما جعت آكل لحم مغتصبي- الباحث) فيجب ألا نوافق لا أنا ولا أنتم على ذلك". وعندها تصاعدت هتافات التحقير للوزيرة، في حين بدأ آخرون بالتصفيق لها. ورفضت الممثلتان الصعود إلى المنصة، احتجاجاً على تصريحات ريجف، وصاحت ربى عصفور: إنني لن أقف إلى جانب ريجف"(26).

تبيّن أن ريجف، التي تتميز بشعبوية رخيصة، تخلط عن عمد، أو عن جهل، وتحرّف كلمات قصيدة درويش. وقال نفّار: "ريجف لم تفهم كلمات القصيدة، رغم إمكانية الترجمة باستعمال مترجم غوغل".. وتابع: "هناك مورفيكس (قاموس عبري – إنكليزي – عربي) وهناك ميري فيكس، هي لا تزعجني فحسب، لكن الحكومة كلها تزعجني"(27).

وفي مؤتمر صحفي، عقب أحداث "جوائز أوفير"، هاجمت ريجف من أسمتهم "الاشرار الذين سمحوا لأنفسهم التصرف بطريقة مهينة"، وشجبت ما وصفته "العنف والبلطجة اللفظية في الحفل"، وقالت: "يجب ألا يمرّ جدول أعمال كهذا، فقد كان هناك سلوك ضد القانون والثقافة". وتحدثت عن إنشاء لجنة لدراسة تمويل الأعمال الفنية، وأوعزت لمدير مكتبها لتشكيل لجنة للبحث في هذا الشأن(28). وفي تصريح آخر، وصفت ريجف قصيدة درويش بأنها "بصقة في وجه الجمهور الإسرائيلي"(29).

وأثارت ريجف ضجة أخرى عندما طالبت بإلغاء حفل مغني الراب نفّار في حيفا، لسلوكه في حفل أسدود، وكان هناك متظاهرون وصفوا نفار بأنه "خائن"، وأيدوا ريجف(30). وفضحاً لما حدث، كتب تامر نفّار مقالاً جاء فيه: ميري ريجف افترت علي وعلى الجمهور الفلسطيني فرية دموية.. وكرر مدير قسم الإعلام والاتصالات الخارجية في الليكود، إيلي حزان، فريتها الدموية وكتب في "فيسبوك" بأنني أدعو إلى أكل لحم اليهود وأنهم بسببي أحرقوا حيفا.. والمسافة بين هذا والاعتداء الشخصي عليّ والتطهير العرقي للفلسطينيين ليست كبيرة.. وقالت ريجف للممثلة ربى بلال: طيري إلى دولتك إن كنت تعتقدين بأنك فلسطينية. وحين دعوتُ يوسي تسباري، لكي يغني معي من قصائد درويش، ووقفنا ونحن نرفع قبضة "الفهود السود" و"حقوق المواطن"، قالت ريجف إننا قمنا بأداء التحية النازية.. هذا هو مشروع ريجف؛ التخويف(31).

ـ وزير الحرب أفيغدور ليبرمان:

قام - بدفعٍ من ريجف- باستدعاء قائد إذاعة الجيش الضابط يارون ديكل(ירון דקל)، ليستوضح منه سبب هذا "التهوّر"، خاصة وأنه يعرفه منذ حكومة نتنياهو الأولى(1996)، حيث كان ليبرمان سكرتيراً لليكود، وكان ديكل مراسلاً في "صوت إسرائيل" للشؤون الحزبية. واتضح أن ليبرمان تجاهل وجود "حكم قانوني" كتبته نائبة المستشار القانوني للحكومة، دينا زيلبر، في كانون الأول/ديسمبر 2015، في أعقاب العاصفة التي أثارتها ريجف التي ادعت أن "إذاعة الجيش لا تمنح تمثيلاً مناسباً للموسيقى الشرقية"، وهو حكم يفيد أن لدى وزير الدفاع ورئيس الأركان صلاحيات تنظيمية في المحطة العسكرية، ولكن محظور عليهما التدخل في مضمون البث، رغم كون هذه المحطة وحدة عسكرية. وقد استندت زيلبر إلى بند من أوامر القيادة العليا التي تصف صلاحيات قائد المحطة بأنه "كمحرر رئيس، لا يكون خاضعاً لسلطة مرؤوسيه، وما يجب أن يحركه هو الاعتبارات الصحفية المهنية". واتصل المستشار القانوني للحكومة أفيحاي مندلبليت مع ليبرمان(في21/7/2016) وذكّره بأنه مسموح له مقابلة مسؤول إذاعة الجيش، لكن ليس من صلاحياته التدخل في مضامين برامج هذه الإذاعة. لكن ليبرمان أصرّ على توبيخ قائد الإذاعة ديكل، وقال له في اللقاء: "لماذا يظهر درويش عندكم؟.. أنا أؤيد حرية التعبير، ولكن ذلك يضر بمشاعر الجمهور"(32).

ونقل تقرير آخر عن ليبرمان قوله لديكل: "يدور الحديث عن قضية خطيرة نتحدث فيها عن شخص كتب مواد ضد الصهيونية، لا تزال حتى اليوم تشكل وقوداً للعمليات الإرهابية ضد دولة إسرائيل، ومع هذا يحظى بأن تشمله المحطة العسكرية ونصوصه، ضمن مختارات مؤثرة للمجتمع الإسرائيلي.. من الواضح ضمناً أن هذه مسألة مخجلة ولا يمكن تجاوزها"(33)..

وأصدر ليبرمان بياناً - عبر مكتبه - في أعقاب لقائه مع ديكل(22/7/2016) تعمّد فيه تحريف قصيدة "بطاقة هوية"، وتشويه معانيها الإنسانية. واعتبر أن درويش دعا إلى رحيل اليهود من البلاد، وأنه كتب "آكل لحم اليهود". وقال ليبرمان في بيانه: "إن درويش لا يمكنه أن يكون جزءاً من الرواية التاريخية المؤسِّسة للكينونة الإسرائيلية، مثلما تم استعراضها في البرنامج الذي جرى بثه"، زاعماً أنه "وفقاً لهذا المنطق بالإمكان ضم تراث المفتي(الحاج أمين) الحسيني، إلى الرواية الإسرائيلية أو امتداح الجودة الأدبية لكتاب "كفاحي"(الشهير للزعيم النازي أدولف هتلر)". وزعم ليبرمان أيضاً في بيانه أن "غاية المحطة الإذاعية العسكرية في مجتمع ديمقراطي!! ومركب مثل المجتمع الإسرائيلي، هو تعزيز التضامن في المجتمع وعدم توسيع التصدعات وعدم المس بمشاعر الجمهور طبعاً". وادعى ليبرمان أنه "يوجد فرق كبير بين حرية التعبير وحرية التحريض، ومن واجب ضباط الإذاعة أن يوضحوا هذا الأمر لمقدمي البرامج والمراسلين والمحررين فيها"(34).

وذكر مكتب الوزير ليبرمان أن ديكل رد قائلاً: "إنني أرى أهمية في الحفاظ على حرية التعبير، وإن النصوص التعليمية لا تعني الموافقة على ما جاء فيها". وعقّبت إذاعة الجيش باختصار؛ "إن الحوار جاء ضمن نشاط أكاديمي صرف، وإن الانفتاح على الجامعات والحرية في أوساط الأكاديميين يُلزماننا بإفساح المجال للمستمعين لإثراء أفكارهم"(35).

وخلال جلسة استجواب في الكنيست(حول قطاع غزة ومواجهة الأنفاق)، رد ليبرمان على سؤال طرحه النائب مسعود غنايم(من القائمة المشتركة) حول معارضته الشديدة لبث برنامج عن الشاعر محمود درويش في إذاعة الجيش، فقال ليبرمان: "يمكن أن يتم عرض برنامج عن درويش، ولكن في إطار أنه عدو هو والمفتي الحسيني"(36) .

ـ رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو:

هاجم محمود درويش وقصائده، وانبرى للدفاع عن تصرف ميري ريجف في حفل أسدود. وأكد نتنياهو، أثناء حوار مع موقع "والا" العبري أنه لو كان مكان ريجف لفعل ما فعلته.. وتابع مستخفاً ومحرضاً ومستنكراً: "ما هو محمود درويش؟!.. أهذا ما تملكونه لتعرضوه هناك؟!.. درويش حانق على قيام دولة إسرائيل، ويطمح إلى زوالها، أأعرضه في حفل جوائز إسرائيلي رسمي؟!.. درويش هو الشاعر الوطني للفلسطينيين، الذي يتحدث عن زوال إسرائيل، وعن الظلم الفادح الذي شكله وجودها"(37).

وعند رصد مواقف نتنياهو السابقة، يتضح أنه حين كان سفيراً لدى الأمم المتحدة، وجّه إدانة لشعر محمود درويش، في نوبة تأليب عليه، حيث حضر نتنياهو اجتماعاً لزعماء الجالية اليهودية في الولايات المتحدة في مؤتمر "إيباك" في واشنطن، في أيار/مايو 1988، وحرص على الاقتباس من قصيدة درويش(عابرون..)، لتعزيز فكرة أن "جذور الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني ليست مشكلات المستوطنات واللاجئين أو عدم وجود دولة فلسطينية، ولكن المسألة هي وجود دولة يهودية، حيث يرفض الفلسطينيون والدول العربية الاعتراف بوجود إسرائيل"(38).

ـ ليمور شالئيل- تورس مستشارة الوزير ليبرمان:

 ردّت على مذكرة مركز "إعلام" العربي حول معاقبة إدارة إذاعة الجيش، بعد بث برنامج عن الشاعر درويش، فكررت تورس أقوال ليبرمان لديكل، وادعت في رسالة الرد أن الشاعر درويش نادى بطرد الشعب اليهودي من إسرائيل، وأنه في أحد التصريحات "فضّل أن يكون لحم اليهود طعاماً له، وأن نصوص درويش التحريضية من المُفترض ألا تكون جزءاً من الخطاب للمجتمع الإسرائيلي، وأنها لو كانت كذلك لسُمح أيضاً بتعليم إرث المفتي أمين الحسيني". وذكرت المستشارة في رسالتها أن موقف الوزير ليبرمان يتشابه مع مواقف وزراء سابقين من حزب العمل( مباي كما سُمي سابقاً)، حيث اعتبر وزير الأمن السابق تسفي دينشتاين (مباي) أن درويش مُحرّض ضد إسرائيل والشعب اليهودي دون أي ضوابط، ورغم أنه يعيش هنا(في حينه) إلا أنه وفي أشعاره يثير البغضاء والكراهية بشكل علني"(39).

ـ الكاتب حاييم شاين:

نشر مقالاً في صحيفة "يسرائيل هيوم"(التي تشكل بوقاً لرئيس الحكومة نتنياهو، بتمويل الملياردير اليهودي اليميني المتطرف شلدون أدلسون)، ورد فيه: "إذاعة الجيش هي المحطة العسكرية الوحيدة في العالم التي توفّر، لكثرة حماقتها وبؤسها، منصة لأحد ألد أعداء إسرائيل. فتحت العنوان المخادع "الجامعة الإذاعية" يقدمون برنامجاً كاملاً عن محمود درويش، الشاعر الدموي، الذي يرمز مع كبير المخربين ياسر عرفات إلى الطموح الفلسطيني لتدمير دولة إسرائيل.. وبعد البرنامج عن درويش يمكن طبعاً البث لجنود الجيش برامج حول كتاب "كفاحي" لأدولف هتلر، كشخصية بلورت تاريخ القرن العشرين، فلكلاهما هدف مشابه هو القضاء على اليهود. واستشهد شاين بقصيدة  درويش(عابرون..) في عام 1988 التي وصفها بأنها تمتلئ&nb

 
مواضيع ذات صلة:
تتمة الدراسة ...مستجدات الحملة الصهيونية على الثقافة الفلسطينية في المناطق المحتلة منذ عام 1948 إبراهيم عبد الكريم
 
تعليقات